دَيْنُ الاثني عشر دولارًا
دَيْنُ الاثني عشر دولارًا
بصراحة، ظننتُ أنه يمدّ يده ليُخرج سلاحًا.
كانت الساعة 7:45 مساءً، مساءَ ثلاثاء، قبل الإغلاق بخمس عشرة دقيقة. كانت المكتبة خالية، لا يُسمع فيها سوى أزيز المدفأة ورائحة الورق العتيق. ثم فُتحت الأبواب الأوتوماتيكية بفحيحٍ خافت.
دخل شاب وقد شدّ قلنسوة سترته إلى أسفل، ودفن يديه في جيوب معطف عملٍ باهتٍ ملطّخ بالشحم. لم يكن يبدو أكبر من تسعة عشر عامًا. توقف عند المدخل لحظة، يمسح المكان بنظراتٍ قلقة، وعيناه تقفزان نحو كاميرات المراقبة.
في هذا الحي، تتعلّم قراءة لغة الجسد بسرعة. نحن لسنا مجرد أمناء مكتبات؛ نحن أخصائيو اجتماعيون، وحراس أمن، ومعالجون نفسيون أيضًا. أبقيتُ يدًا قرب زر الإنذار الصامت تحت المكتب، وسألته:
«هل أستطيع مساعدتك في العثور على شيء يا بني؟»
ارتجف. ثم اقترب، لا بعدوانية، بل بخطواتٍ ثقيلة بطيئة، كمن يحمل ثقل العالم على كتفيه. توقف أمام مكتب الإعارة، متجنبًا النظر إلى وجهي.
قال هامسًا، وصوته يتشقق:
«لازم أرجّع حاجة.»
أخرج يده من جيبه ببطء. تهيأتُ للأسوأ.
لكن لم يكن سلاحًا… بل كتاب.
دفعه نحوي فوق الطاولة. كان مجلدًا خياليًا سميكًا، الجزء الأول من سلسلة شهيرة عن السحرة والعوالم السحرية. لكن هذه النسخة بالكاد يمكن التعرف عليها. العمود الفقري ممسوك بشريط
مسحتُ الرمز الشريطي. أطلق النظام صفيرًا أحمر غاضبًا.
الحالة: مفقود.
تاريخ الفوترة: 12 نوفمبر 2019.
قال بسرعة:
«أنا سرقته. من خمس سنين. حطيته في الشنطة ومشيت. الحساسات ما اشتغلتش لأني شلت التاغ في الحمّام.»
نظرتُ إلى الشاشة ثم إليه.
«ليه بترجّعه دلوقتي؟»
قال:
«كمّلت تمنتاشر الأسبوع اللي فات.»
ثم أخرج من جيبه قبضة أوراق نقدية مجعّدة: فئات واحد وخمسة دولارات، وبعض العملات المعدنية. فردها فوق الطاولة بأصابع مرتجفة.
«بشتغل دلوقتي في ورشة عربيات في شارع الخامس. بحاول أظبط حياتي… أظبط سِجلّي. أبقى… مواطن كويس.»
وأشار إلى الكتاب.
«ده الحاجة الوحيدة اللي سرقتها في حياتي. ما كنتش بعرف أنام وأنا بفكر فيه.»
دفع المال نحوي. كان المجموع بالضبط اثني عشر دولارًا.
سأل بخوف:
«كفاية؟ للغرامة؟»
نظرتُ إلى الشاشة. الكتاب مسجّل كمفقود.
سعر الاستبدال: 28.99 دولار.
رسوم المعالجة: 10.00 دولارات.
غرامات التأخير (الحد الأقصى): 15.00 دولارًا.
الإجمالي: 53.99 دولارًا.
أربعة وخمسون دولارًا. في هذا الزمن، هذا يعني أسبوع بقالة لشخصٍ واحد. يعني خزان وقود ليصل إلى عمله.
نظرتُ إلى الاثني عشر دولارًا، ثم
لم يكن مقروءًا فحسب… بل مُلتهمًا.
بقع شحم على الهوامش—غالبًا من القراءة أثناء استراحة الغداء في الورشة. دوائر خافتة تركها كوب نودلز فورية. ثم رأيت الغلاف الخلفي من الداخل.
بخطٍ مهتز كُتب:
«أنت لست وحدك.»
قال بهدوء وهو يلاحظ نظري:
«ما كانش عندي بيت وقتها. أمي مرضت، وخسرنا الشقة. كنا عايشين في فان. لا إنترنت، ولا تلفزيون… بس برد.»
نظر إليّ في عينيّ لأول مرة.
قال:
«قريت الكتاب ده أربعين مرة. كل ما كنت حاسس إني هانهار، أقرأ عن الولد اللي تحت السلم واكتشف إنه مميّز. كان المكان الوحيد اللي أهرب له، مكان ما كنتش فيه مجرد طفل مشرّد. الكتاب ده أنقذ حياتي، يا مدام. أنا آسف إني خدته… بس كنت محتاجه.»
اختنق حلقي
نحن لا نكدّس الكتب على الرفوف لتبقى نظيفة. نكدّسها لإنقاذ الأرواح. لنمنح طفلًا يعيش في فان سببًا ليصمد ليلةً أخرى.
نظرتُ إلى الشاشة. ثم إلى زر «حذف».
قلتُ، وأنا أكذب بصوتٍ ثابت:
«في الحقيقة… توقيتك ممتاز.»
رمش بدهشة.
«بجد؟»
«آه. المقاطعة أقرّت مبادرة جديدة للشباب.»
كنت أكتب بسرعة على لوحة المفاتيح—لا أفعل شيئًا مهمًا، فقط أمسح الشاشة.
«اسمها برنامج البداية الجديدة للقراءة. أي شخص تحت الواحد والعشرين يرجّع مواد ‘مستعارة لفترة طويلة’، بتتلغى كل الرسوم.»
ضغطتُ زر الإدخال
«الرصيد: صفر.»
تجمّد في مكانه.
«بس… أنا سرقته.»
قلتُ:
«أنت استعرته لمدة طويلة جدًا. وباين إنك استفدت منه.»
دفعتُ المال إليه مرة أخرى.
«خلي فلوسك. البنزين غلي. هتحتاجها.»
تردد، ويده معلّقة فوق النقود.
«متأكدة؟ ما بحبش أكون مديون لحد.»
«أنت مش مديون.»
ثم أضفتُ: «بس في شرط واحد.»
تصلّب.
«إيه هو؟»
أخرجتُ من تحت المكتب كتابًا ورقيًا جديدًا تمامًا. غلافه اللامع يلمع تحت أضواء النيون. كان الجزء الثاني من السلسلة.
قلتُ:
«لازم تقرأ اللي بعده. ولازم تستعيره رسمي. بكارت مكتبة.»
حدّق في الكتاب. اغرورقت عيناه. مسحهما بسرعة بكمّ سترته المتسخ بالشحم.
«أقدر أطلع كارت؟»
«حتى مع… اللي فات؟»
قلتُ:
«المكتبة ملك للجميع.»
ودفعتُ إليه استمارة التسجيل.
«خصوصًا اللي عارفين قيمة الكتاب الحقيقية.»
ملأ الاستمارة. أخذ الاثني عشر دولارًا. أخذ الجزء الثاني.
قبل أن يخرج، التفت. وقف أكثر استقامة. وبقيت القلنسوة إلى أسفل.
قال:
«شكرًا. على البداية الجديدة.»
قلتُ:
«أشوفك بعد أسبوعين.»
خرج إلى الليل البارد… لا كلص، بل كقارئ.
كان ذلك منذ ستة أشهر. يأتي الآن كل يوم ثلاثاء تقريبًا. يشق طريقه عبر قسم الفانتازيا. يغسل يديه قبل أن يلمس الصفحات.
أحيانًا، أثمن ما يمكن أن نفعله في هذا العالم ليس تطبيق
بل معرفة متى نكسره لإنقاذ إنسان.
المكتبات ليست عن الحسابات.
إنها عن الأمل.
والأمل… دائمًا مجاني
لو القصة عجبتك شاركها او ادعمنا