«أريد فقط أن أتحقّق من رصيدي» قالت السيدة ذات التسعين عامًا بهدوء

لمحة نيوز

يا ابنتي أريد فقط أن أتحقق من رصيدي
أريد فقط أن أتحقق من رصيدي قالت السيدة ذات التسعين عاما بهدوء.
ضحك المليونير ساخرا إلى أن تجمدت الأرقام على الشاشة
كان بهو بنك فيرست فيدرال في وسط مدينة أتلانتا يعج بالفوضى المعتادة ليوم جمعة
رجال ببدلات أنيقة يتنقلون على عجل شباب يحدقون في هواتفهم وضجيج المال يملأ المكان.
ثم دخلت هي.
كانت السيدة إليانور بروكس في التسعين من عمرها تسير بخطوات بطيئة مستندة إلى عصا خشبية. ترتدي فستانا زهريا بسيطا وحذاء طبيا عمليا وتحمل حقيبة قديمة ممسكة بها قرب صدرها. شعرها الفضي مرتب بعناية وهيئتها هادئة يغلفها وقار لافت.
كان طابور الصراف طويلا لكنها لم تتذمر. انتظرت بصمت حتى حان دورها.
خلفها مباشرة وقف فيكتور لانغستون مليونير عقارات معروف في الخمسين من عمره غارق في الماركات الفاخرة. كان ينظر إلى ساعته الفخمة كل بضع ثوان يتنهد بصوت مسموع واضح الانزعاج من التأخير.
حين وصلت إليانور إلى الشباك ابتسمت للموظفة الشابة وقدمت بطاقة بنكية قديمة منحنية قليلا من كثرة الاستعمال.
قالت بلطف
يا ابنتي أريد فقط أن أرى رصيدي.
هزت الموظفة رأسها وأدخلت البطاقة.
سمع فيكتور الطلب فأطلق ضحكة قصيرة ساخرة ثم اقترب قليلا بابتسامة متعالية. في ذهنه امرأة بهذه الهيئة لا تملك سوى معاش بسيط أو شيك تقاعد.
ضحك مرة أخرى أعلى من قبل وقال بتفاخر
تعلمين أن هناك جهاز صراف آليا في الخارج أليس كذلك هذا الطابور للمعاملات الجادة.
استدارت إليانور نحوه ببطء. كانت نظرتها هادئة ثابتة.
قالت بصوت منخفض لكن واثق
يا بني لدي حساب في هذا البنك منذ ما

قبل أن تولد.
قهقه فيكتور بازدراء وحرك عينيه بملل. بعض الواقفين شعروا بعدم الارتياح لكن أحدا لم يتدخل.
عند الشباك تجمدت الموظفة.
اتسعت عيناها وهي تحدق في الشاشة. رمشت حدثت الصفحة ثم أعادت التأكد من رقم الحساب. شحب وجهها لثوان ثم عاد الدم إليه دفعة واحدة.
رفعت نظرها إلى إليانور وصوتها يكاد لا يثبت
السيدة بروكس رصيدك المتاح هو
توقفت الموظفة عن الكلام.
لم يكن توقفا دراميا مقصودا بل كان نتيجة مباشرة لخلل داخلي أصاب عقلها قبل جهازها. أعادت النظر إلى الشاشة ثم إلى البطاقة ثم إلى اسم الحساب وكأنها تبحث عن مخرج منطقي ينقذها من الرقم الذي يحدق بها بلا رحمة.
ضغطت على زر التحديث.
لم يتغير شيء.
ابتلعت ريقها ورفعت رأسها ببطء. في تلك اللحظة كان بهو البنك كله قد دخل في حالة ترقب غير معلنة. حتى فيكتور لانغستون الذي اعتاد أن يملأ المكان بحضوره المتعجرف صمت فجأة وقد لاحظ أن شيئا غير مألوف يحدث.
قالت الموظفة أخيرا بصوت مبحوح لكنه واضح
اثنان وثمانون مليارا وستمائة وسبعة عشر مليونا وأربعمائة ألف دولار.
لم يفهم معظم الواقفين الرقم في الوهلة الأولى.
الأرقام الكبيرة تحتاج ثانية إضافية لتستقر في العقول لكن حين فعلت تغير كل شيء.
تجمدت الأجساد.
تصلبت الوجوه.
وساد صمت لم تعرفه جدران البنك من قبل.
كان الصمت كثيفا كأن الهواء نفسه أصبح أثقل لا يبتلع بسهولة.
فيكتور لانغستون رمش مرتين. ضحك ضحكة قصيرة متقطعة ثم قال
حسنا هذه مزحة لطيفة. أين الكاميرا
لم يضحك أحد.
أعاد النظر إلى الموظفة منتظرا ابتسامة إشارة أي شيء يدل على أن الموقف غير حقيقي. لكن الفتاة
كانت شاحبة يداها ترتجفان وعيناها معلقتان بالسيدة العجوز كما لو أنها تقف أمام تاريخ حي لا إنسانة.
قال بصوت أعلى
لا يمكن أن يكون هذا صحيحا. حساب واحد بهذه القيمة
أجابت الموظفة بصوت مهني وكأنها تستند إلى تدريب طارئ أنقذها من الانهيار
الحساب مصنف كحساب استثماري مركزي قديم سيدي. وله فروع فرعية وصناديق تابعة الرقم الذي تراه هو الرصيد الموحد فقط.
بدأ الهمس.
هل سمعت
اثنان وثمانون مليارا
امرأة في التسعين
شعرت إليانور بروكس بالأنظار تتكاثر حولها لكنها لم تبد أي انزعاج. ظلت ممسكة بحقيبتها القديمة مستندة إلى عصاها تنظر إلى الموظفة بابتسامة مطمئنة.
قالت بهدوء
أخبرتك أنني فقط أريد الاطمئنان. الأرقام الكبيرة تقلقني أكثر من الصغيرة.
كادت الموظفة تضحك لولا أن الكلمات بدت لها أثقل من أن تفهم كدعابة.
فيكتور الذي اعتاد أن يكون محور أي مكان يدخله شعر للمرة الأولى أنه شفاف. أن حضوره لم يعد مرئيا. أن العالم كله التف حول تلك المرأة التي سخر منها قبل دقائق.
اقترب خطوة وقال بنبرة أقل حدة
سيدتي أقصد السيدة بروكس أليس كذلك هل تسمحين بسؤال
نظرت إليه بهدوء
إن كان سؤالا محترما تفضل.
تنحنح
كيف أعني كيف يمكن لشخص أن يمتلك هذا القدر من المال دون أن يعرفه أحد
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
لأنني لم أكن أبحث عن أن يعرفني أحد.
تقدم رجل مسن من الطابور كان يقف بعيدا وقال مترددا
هل أنت إليانور بروكس التي أسست صندوق بروكس للتنمية الحضرية
رفعت رأسها قليلا
نعم. منذ زمن طويل.
ارتفعت همهمة جديدة هذه المرة مختلفة. بعض الأسماء بدأت تتشكل في الذاكرة الجماعية
هي التي مولت
مشروع الإسكان في الجنوب
والمستشفيات المجانية
وبرنامج المنح الجامعية
فيكتور شعر بوخز في صدره. كان يعرف تلك المشاريع. بل استفاد منها في بداياته. لكن الاسم لم يكن حاضرا في ذهنه يوما.
اقترب مدير الفرع وقد وصله الخبر عبر سماعة أذنه. بدت عليه علامات توتر ممزوج بإجلال واضح.
قال بانحناءة خفيفة
سيدة بروكس أعتذر عن أي إزعاج. وجودك هنا شرف لنا. هل تودين الانتقال إلى المكتب الخاص
هزت رأسها نفيا
لا داعي. أنا أحب هذا المكان. يذكرني بالبدايات.
ثم التفتت إلى فيكتور
كنت أقف في هذا الطابور وأنا في عمرك تقريبا. ولم يكن لدي سوى خمسين دولارا. يومها سخر مني رجل يشبهك.
خفض فيكتور عينيه.
تابعت
لكنه لم يكن شريرا. كان فقط أعمى.
ساد صمت قصير ثم قالت للموظفة
هل يمكنك طباعة كشف الحساب
أجابت فورا
بالطبع سيدتي.
بينما كانت الطابعة تعمل جلس فيكتور على مقعد قريب دون أن يشعر. كان رأسه يعج بأسئلة لم يعرف كيف يصيغها.
حين خرجت الورقة تناولتها إليانور نظرت إليها سريعا ثم أعادتها دون اهتمام مبالغ فيه.
قالت
جيد. كل شيء في مكانه.
ثم أخرجت من حقيبتها ظرفا بنيا صغيرا وضعته على الطاولة
هذا تبرع للبنك. خصصوه لتدريب الموظفين الجدد على الصبر.
احمر وجه فيكتور أكثر.
تقدمت نحو الخروج لكن قبل أن تصل إلى الباب توقفت واستدارت نحو البهو بأكمله.
قالت بصوت واضح دون رفعه
المال لا يصنع القيمة. هو فقط يكشفها.
ثم خرجت.
لم يصفق أحد.
لم يهتف أحد.
لكن الجميع شعر أن شيئا ما قد انكسر أو ربما انكشف.
بقي فيكتور جالسا ينظر إلى الأرض.
اقترب منه المدير
هل أنت بخير سيدي لانغستون
أومأ ببطء
نعم
فقط أحتاج أن أتعلم الصمت.
في تلك الليلة عاد فيكتور إلى قصره الفخم لكن النوم لم يزره. ظل يفكر في امرأة
تم نسخ الرابط