مليونير قرّر زيارة بيت خادمته فجأة… وما اكتشفه خلف ذلك الباب غيّر حياته للأبد!
لم يكن في نيته ذلك الصباح أن يغير مجرى حياته ولا أن يقترب من حقيقة ظل يتجاهلها سنوات طويلة .. لم يكن يبحث عن إجابة ولا عن خلاص ولا حتى عن تغيير. كل ما في الأمر أن يومه بدأ بخلل صغير كحجر عالق في الحذاء لا يسقطك لكنه يمنعك من السير براحة.
خرج رائد الكرمي من منزله الواسع عند أطراف الحي الراقي حيث تصطف الأشجار العالية كحراس صامتين وحيث الهدوء ليس ميزة بل قانونا غير مكتوب. كان يرتدي بدلته الداكنة تلك التي اختارها بعناية لتخفي أكثر مما تظهر تعبا قديما وفراغا لم يعترف به يوما.
في الثامنة صباحا كان من المفترض أن يكون في طريقه إلى اجتماع حاسم مع شركاء أجانب اجتماع سيضاف إلى سلسلة طويلة من النجاحات التي صارت بمرور السنوات بلا طعم. ومع ذلك حين وقف عند باب سيارته لم يمد يده ليفتحه على الفور.
توقف.
ظل واقفا لثوان أطول مما يليق برجل اعتاد أن يحسب وقته بالدقيقة. شعر بشيء غريب إحساس غير مكتمل فكرة لم تتخذ شكلا واضحا بعد لكنها كانت تضغط برفق بإلحاح صامت.
لم تكن الفكرة صفقة جديدة ولا استثمارا ولا أزمة في العمل.
كانت إنسانة.
سلمى نادر.
امرأة تعمل في منزله منذ أعوام. لا يذكر تحديدا متى جاءت ولا كيف استقرت في حياته اليومية كجزء من الأثاث. كانت هناك دائما في الصباح الباكر وفي آخر النهار في الممرات في المطبخ في الحديقة. تتحرك بهدوء وتؤدي عملها بإتقان صامت وتغادر دون أن تترك
لم يكن رائد فظا معها لكنه لم يكن قريبا أيضا. كان يؤمن مثل كثيرين أن المعاملة العادلة تكفي وأن السؤال عن الحياة الخاصة نوع من التطفل غير الضروري. كان يرى سلمى يحييها بإيماءة مقتضبة ويكمل طريقه دون أن يتساءل يوما من تكون وكيف تعيش وماذا تخفي تلك الملامح الهادئة
لكن الأيام الأخيرة بدلت شيئا في داخله.
بدأ الأمر بمشهد عابر أو هكذا أقنع نفسه. كانت سلمى تنظف أطراف الحديقة حين اختل توازنها فجأة وسقطت على الأرض. هرع الحارس إليها وحين وصل رائد كانت قد استعادت وعيها لكنها بدت شاحبة شديدة البياض كأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة.
اعتذرت بسرعة أكثر مما يلزم وأصرت على العودة إلى العمل كأن السقوط خطأ أخلاقي يجب محوه فورا. لم يقل رائد شيئا لكنه لم ينس نظرة عينيها في تلك اللحظة نظرة من يخشى أن يرى ضعيفا.
بعد أيام لمحها تتحدث في الهاتف قرب المطبخ. لم تكن تعلم بوجوده في الشرفة المجاورة. كان صوتها منخفضا متكسرا والكلمات تخرج مقتضبة كأنها تخشى أن يسمعها الجدار نفسه. أنهت المكالمة سريعا ومسحت دمعة خاطفة ثم عادت إلى عملها.
أما المشهد الذي رسخ في ذهنه فجاء في مساء هادئ. كان يقف في الطابق العلوي يتأمل الحديقة حين رآها في المطبخ تغسل الصحون وحدها. توقفت فجأة أسندت يديها إلى الحوض وانحنى رأسها. لم يكن بكاء صاخبا بل ذلك البكاء الصامت الذي لا يحتاج صوتا ليكون موجعا. كانت
في تلك اللحظة شعر رائد بشيء لم يعرفه من قبل
شعور بالذنب.
لماذا لم يسأل يوما
كيف أمكن لامرأة تعيش في بيته أن تكون غريبة إلى هذا الحد
في ذلك الصباح وبينما كان عليه أن يتجه إلى شركائه اتخذ قرارا لم يخطط له. ألغى الاجتماع طلب تجهيز السيارة ثم غير رأيه. لم يرد سائقا ولا حراسة ولا حتى مبررا واضحا.
غادر وحده.
كان خروجه عن نظام حياته الصارم أشبه بعصيان صغير لكنه شعر بخفة غير معتادة وهو يقود بعيدا عن طريقه المعتاد.
لم يكن يعرف عنوان سلمى بدقة. لم تكن تتحدث عن حياتها ولم تذكر يوما أين تسكن. بعد بحث قصير في أوراق قديمة وجد إشارة غامضة قادته إلى حي شعبي في أطراف المدينة.
وحين دخل ذلك الحي شعر كأنه عبر حدودا غير مرئية.
الشوارع ضيقة البيوت متلاصقة الجدران متعبة من الشمس والوقت والأصوات أعلى أكثر حياة وأكثر صدقا. لا بوابات فخمة ولا حدائق مصفوفة ولا صمت مصطنع.
توقف أمام منزل صغير من الطوب تحيط به حديقة مهملة. أطفأ المحرك وجلس لحظة في السيارة يشعر بتوتر حقيقي لم يعرفه في قاعات الاجتماعات.
ماذا لو أخطأ
ماذا لو تجاوز حدوده
ماذا لو لم ترغب برؤيته
لكن قدميه حملتاه إلى الباب.
رفع يده وطرق.
لم تكن الطرقات قوية لكنها بدت له عالية بما يكفي ليكشف ارتجاف يده. انتظر والزمن تباطأ على نحو غريب. ثم سمع وقع خطوات خفيفة واقترب
وقفت سلمى أمامه.
تجمدت ملامحها لثانية كاملة. اتسعت عيناها دهشة وتراجع جسدها نصف خطوة كأنها لا تصدق ما ترى.
قالت بصوت متردد
سيد رائد ماذا تفعل هنا
حاول أن يبدو طبيعيا لكن نبرته خانته قليلا.
صباح الخير سلمى. أعلم أن زيارتي مفاجئة أردت فقط الاطمئنان عليك.
سادت لحظة صمت قصيرة ثم فتحت الباب على مصراعيه وأشارت له بالدخول.
تفضل البيت بسيط.
خطا إلى الداخل وتوقف عند العتبة كأنه يحتاج إذنا جديدا لدخول عالم لم يعرفه من قبل. كان البيت صغيرا لكنه نظيف دافئ مليء بتفاصيل تحكي حياة كاملة صور قديمة إطار مكسور مزهرية بلاستيكية ورائحة دواء تختلط بطعام منزلي.
جلسا في غرفة الجلوس. كنبة قديمة طاولة خشبية مروحة سقف تصدر صوتا خافتا.
شعر رائد براحة غريبة راحة لم يجدها يوما في قصره الواسع.
بدأ الحديث متقطعا ثم أخذ ينساب. سألها عن يومها عن عملها عن صحتها. أجابت بحذر في البداية ثم بدأت الكلمات تخرج. تحدثت عن سنواتها الأولى عن انتقالها للمدينة عن أحلام صغيرة أجلتها مرارا.
ثم تغير صوتها.
انخفضت نبرتها وتجنبت عينيه.
قال بهدوء
سلمى أشعر أن هناك ما يثقلك. إن لم يكن سؤالي تطفلا ما الذي يؤلمك حقا
شدت أصابعها بعضها بعضا وترددت طويلا ثم قالت
أمي مريضة منذ أشهر العلاج مكلف وأنا أحاول لكنني أحيانا أشعر أنني لن أستطيع الاستمرار.
امتلأت عيناها بالدموع.
شعر رائد بانقباض حاد في