سخر منها المدير بسبب مظهرها المتواضع، دون أن يتخيّل أنها المالكةُ الحقيقيةُ المليونيرةُ للشركة

لمحة نيوز

— «ابعدي عن وشي فورًا… مكانك مش هنا!»
انفجر الصوت في قلب المكتب كطلقةٍ حادّة.
تجمّدت أصابع أكثر من ثلاثين موظفًا فوق لوحات المفاتيح، والتفتت الرؤوس في لحظةٍ واحدة نحو المشهد الذي لم يعتادوه، لكنهم كانوا يخشونه.
وقف رائد الشهاوي، المدير التنفيذي الإقليمي لشركة المنارة القابضة، خلف مكتبه الزجاجي، ونظر بازدراءٍ صريح إلى المرأة الواقفة أمامه.
كانت ليلى منصور تقف قرب مكتب السكرتارية، ترتدي معطفًا داكنًا فقد لونه، وحذاءين متآكلين عند الأطراف. لم تكن ملامحها ضعيفة، لكن الاحمرار الذي غزا وجهها كشف الإهانة التي تلقتها أمام هذا الجمع الصامت.
قال رائد بنبرةٍ ساخرة، وهو يشبك ذراعيه:
— «الشركة دي مش جمعية خيرية… أمثالك ما لهمش مكان هنا من الأساس».
لم يتدخل أحد.
لا مدير.
لا موظف.
حتى الهواء بدا وكأنه اختنق.
ثم تحرّك رائد.
اتجه بخطواتٍ بطيئة نحو زاوية المكتب، حيث دلو تنظيف تُرك بجوار آلة التصوير. حمله، وعاد به، والابتسامة الملتوية لا تفارق شفتيه.
سرت قشعريرة في المكان.
كان الجميع

يعرف أن اللحظة القادمة لن تُنسى… لكن الخوف شلّهم.
اقترب منها وقال بصوتٍ منخفضٍ قاسٍ:
— «خلينا نعلّمك حدودك».
وبحركةٍ واحدة، قلب الدلو فوق رأسها.
انسكب الماء البارد دفعةً واحدة، غمر شعرها وكتفيها، التصق المعطف بجسدها، وتسربت القطرات إلى داخل الحذاءين. اختلط الماء بدموع لم تعد قادرة على حبسها، لا من الألم… بل من الإهانة.
وقف الموظفون مذهولين.
كانت ليلى ترتجف، مبتلة، منكشفة أمام العيون، لكن شيئًا واحدًا لم يسقط:
كرامتها.
لم يكن أحد يعلم—ولا حتى رائد نفسه—أن المرأة التي أهينت للتوّ، ليست أضعف شخص في المبنى… بل أخطرهم جميعًا.
كانت أبراج المنارة القابضة ترتفع شامخة في قلب المنطقة التجارية، واجهاتها الزجاجية تعكس ضوء الصباح كأنها لا تعرف ما يجري خلفها. داخل هذه الجدران، حيث تُوقَّع صفقات بالملايين، بدأت منذ ساعات قليلة قصة ستغيّر كل شيء.
لكن لفهم كيف وصلت ليلى إلى هذه اللحظة، يجب أن نعود ثلاث ساعات إلى الوراء…
عند السادسة صباحًا، استيقظت ليلى منصور في شقتها الواسعة المطلة
على النيل. لوحة فنية أصلية فوق الجدار، وأثاث صامت يشهد على ثراءٍ لا تحبه الاستعراضات.
ورغم ذلك، اختارت في ذلك اليوم معطفًا بسيطًا من متجرٍ شعبي، وحذاءين رخيصين خدشتهما بيديها، وحقيبة مقلّدة تُكمل الدور.
منذ أن تسلّمت إدارة المنارة القابضة بعد وفاة والدها، لم تظهر ليلى يومًا أمام الموظفين. كانت تدير كل شيء من الخلف: قرارات حاسمة، توقيعات، اجتماعات مغلقة. بالنسبة لهم، لم تكن أكثر من اسمٍ أعلى الورق.
لكن في الأشهر الأخيرة، بدأت تصلها رسائل مقلقة:
شكاوى بلا توقيع.
قصص عن إذلال.
مدراء يحكمون بالخوف لا بالإدارة.
وفي ذلك الصباح، قررت أن ترى الحقيقة بنفسها.
دخلت المبنى في الثامنة تمامًا.
مرّت من البوابة دون أن يلتفت إليها أحد.
لم يحيّها الحارس.
تجاوزها التنفيذيون كأنها ظل.
عندها فقط، عرفت أن كل ما سمعته… كان أقل من الواقع.
والآن، وهي تقف مبللة وسط المكتب، رفعت رأسها ببطء.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
لم تطلب الرحمة.
قالت بهدوءٍ صادم:
— «شكرًا».
ساد همس مرتبك.
قطّب رائد حاجبيه.
— «شكرًا
على إيه؟»
أخرجت ليلى هاتفها من الحقيبة المبتلّة، وضغطت رقمًا واحدًا فقط.
— «مجلس الإدارة»، قالت. «عايزة الكل يكون في الطابق ده خلال عشر دقايق».
دخل الصمت كضيفٍ ثقيل.
وبعد دقائق، فُتح الباب…
ودخل من لا يجرؤ أحد على معارضتهم.
وما إن وقعت أعينهم عليها، حتى تغيّرت الوجوه، وسقطت الأقنعة.
فُتح باب المكتب الزجاجي بهدوءٍ ثقيل، ودخل أعضاء مجلس إدارة المنارة القابضة واحدًا تلو الآخر.
رجال ونساء لا تُقال أسماؤهم في الأحاديث العابرة، تُحسم عند توقيعاتهم مصائر شركات وبشر.
ما إن وقعت أعينهم على ليلى منصور—المبتلّة، الواقفة في منتصف المكتب—حتى تغيّر كل شيء.
قال أحدهم بصوتٍ خافتٍ مرتبك:
— «…دكتورة ليلى؟»
تراجع رائد الشهاوي خطوةً إلى الخلف.
ضحكته الواثقة تبخّرت، ولسانه انعقد.
التفتت ليلى ببطء، نزعت المعطف المبتلّ، ووضعته على حافة المكتب، ثم قالت بصوتٍ هادئ لكنه نافذ:
— «صباح الخير. حبيت أعرّفكم بنفسي… بما إنّي أول مرة أزور الشركة كده».
ساد صمتٌ خانق.
تابعت:
— «وصلتني شكاوى كتير عن
سوء استخدام السلطة. كنت محتاجة دليل واحد… والنهارده أخدته».

تم نسخ الرابط