طفل في الثامنة يقف داخل المحكمة ويقول أنا محامي أمي
أنا محامي أمي
طفل في الثامنة قال للقاضي هذه الجملة بهدوء، من غير أن يرفع صوته أو ينتظر ردًّا. خرجت الكلمات قصيرة وواضحة، لكنها أوقفت حركة القاعة لثوانٍ لم ينتبه أحد إلى عددها.
توقفت القاضية عن تقليب أوراق الملف، وبقي القلم معلّقًا بين أصابعها. لم يسقط، لكنه لم يتحرك. النظرات بدأت تلتفت ببطء، كأن العقول احتاجت لحظة لتفهم ما سمعته، أو لتتأكد أن ما قيل لم يكن مجرد سوء سمع.
كان الطفل واقفًا في الصف الأمامي. نحيف الجسد، مستقيم الظهر على غير عادة الأطفال في سنه، يرتدي سترة داكنة أكبر من مقاسه قليلًا، كأنها استعيرت على عجل من عالم الكبار. انزلقت نظارته الطبية قليلًا على أنفه، لكنه لم يُعدّلها، كأن الحركة نفسها بدت له غير لائقة بثقل اللحظة.
اسمه آدم مراد، ولم يكن قد تجاوز عامه الثامن.
إلى جواره جلست والدته، ليلى مراد، وقد تشابكت أصابعها فوق حقيبتها القديمة دون وعي. شعرت بقلبها يتوقف لحظة، ثم يعود للخفقان بعنف. رفعت رأسها ببطء، وحدّقت في ابنها بعينين امتلأتا بالذهول والخوف معًا. لم تكن تعلم أنه سيقول ذلك، ولم تكن تتخيل أن يكون مستعدًا لهذه اللحظة التي أرهقتها وحدها لأشهر.
على الطرف الآخر من القاعة جلس والده، رائد الكيلاني، ببدلته الرمادية الأنيقة وربطة عنقه المتقنة. بدا واثقًا، مائلًا قليلًا إلى الخلف، كما لو أن نتيجة الجلسة محسومة سلفًا. إلى جانبه جلس محاميه، يقلب أوراق الملف ببرود معتاد، وكأن ما يجري لا يتجاوز كونه إجراءً روتينيًا آخر.
قاعة المحكمة لم تكن مختلفة عن غيرها؛ جدران خشبية قاتمة، منصة مرتفعة، وساعة حائطية تُصدر طنينًا
رفعت القاضية نجلاء السالمي نظرها أخيرًا، وحدّقت في الطفل لثوانٍ أطول من المعتاد. لم يكن في عينيه تحدٍّ ولا استعراض، بل تركيز غريب، يشبه تركيز من يعرف أنه إن صمت الآن، فلن يتكلم أحد نيابة عنه.
قالت بهدوء مهني:
— ماذا تقصد بقولك هذا يا بني؟
ابتلع آدم ريقه، ثم أعاد الجملة نفسها، بوضوح أكبر:
— أنا محامي أمي.
همس خفيف سَرَى بين المقاعد الخلفية. أحدهم تنحنح، وآخر أمال رأسه مستغربًا. أما ليلى، فشعرت بيدها ترتجف، وحاولت أن تناديه بعينيها، أن تطلب منه التراجع، لكنه لم ينظر إليها. كان ينظر فقط إلى القاضية.
— وهل تعرف ما معنى أن تكون محاميًا؟ — سألت القاضية، دون سخرية.
هزّ آدم رأسه ببطء.
— يعني أن أتكلم بدلها… لأن صوتها لا يسمعه أحد.
ساد الصمت من جديد، صمت أثقل من السابق. شعرت ليلى بشيء يضغط على صدرها، خليط من الألم والامتنان. لم تكن تعرف متى أدرك طفلها كل هذا، ولا متى تعلّم أن يرى صمتها على أنه عجز.
تدخّل محامي الأب بابتسامة مقتضبة:
— سعادة القاضية، مع كامل الاحترام، نحن أمام طفل لا يدرك طبيعة الإجراءات القانونية…
قاطعته القاضية بإشارة صغيرة من يدها، دون أن تحوّل نظرها عن آدم.
— لم أسمح لك بالكلام بعد.
ارتبك الرجل للحظة، ثم صمت.
مالت القاضية قليلًا إلى الأمام، وسألت آدم:
— ولماذا ترى أن أمك تحتاج إلى محامٍ اليوم؟
تردّد لثانية، ثم قال:
— لأنها كلما حاولت أن تشرح، قيل لها إن العاطفة لا مكان لها هنا. وأنا… أنا عاطفتي هي قصتي.
لم يفهم الجميع
في تلك اللحظة، لم تعد الجلسة مجرد دعوى حضانة. تحوّلت إلى ما يشبه الزلزال الصامت؛ لا صوت له، لكن أثره يتسرّب إلى كل زاوية في القاعة.
تنفّست القاضية بعمق، ثم قالت:
— اجلس بجوار والدتك الآن.
امتثل آدم بهدوء، وجلس إلى جوار ليلى. مدت يدها نحوه، تردّدت، ثم وضعتها فوق يده الصغيرة. ضغط عليها بخفة، كأنه يطمئنها لا العكس.
بدأت القاضية في مراجعة الملف بصوت مسموع، لكن تركيز الحاضرين لم يعد في الأوراق. كان في ذلك الطفل الذي جلس مستقيمًا، يستمع، وكأنه يفهم كل كلمة، وكل فاصلة.
وعندما رُفعت الجلسة للاستراحة القصيرة، لم يتحرك آدم من مكانه. نظر إلى أمه، وقال بصوت خافت لا يسمعه سواها:
— لا تخافي… أنا هنا.
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن ابنها لم يقف في المحكمة ليكون شجاعًا،
بل لأنه لم يعد يحتمل أن يراها وحدها.
وكان ذلك…
بداية كل شيء.
لم تكن الاستراحة القصيرة التي أعلنتها القاضية نجلاء مجرّد إجراء روتيني، بل كانت فرصة لالتقاط الأنفاس في قاعة امتلأت بما لم يُقَل أكثر مما قيل. خرج بعض الحاضرين إلى الردهة، وبقي آخرون في أماكنهم، كأنهم يخشون أن تفوتهم لحظة حاسمة.
ليلى لم تتحرّك. جلست كما هي، يدها ما تزال فوق يد آدم. كانت تشعر بدفء كفّه الصغير، وكأنها تستمد منه ثباتًا لم تعرف أنها فقدته. نظرت إليه بطرف عينها، فرأته شاردًا، عيناه معلّقتان على المنصة الفارغة.
— هل أنت بخير؟ — همست.
أومأ برأسه دون أن ينظر إليها.
— نعم.
لم يكن صوته طفوليًا كما اعتادت. كان هادئًا، ثابتًا، كصوت شخص اعتاد أن يُقنِع نفسه قبل أن يُقنِع الآخرين.
في الجهة
قال المحامي محاولًا التخفيف:
— لا تقلق، ما حدث لن يغيّر شيئًا قانونيًا. القاضية لا تستطيع أن تبني حكمًا على كلام طفل.
ردّ رائد بنبرة مقتضبة:
— لم أقل إنني قلق… لكن هذا الطفل يعرف كيف يُربك المشهد.
لم يقل: ابني.
لم يقلها منذ زمن.
عادت القاضية إلى القاعة، فعاد الجميع إلى مقاعدهم. جلست في مكانها، ومرّرت نظرها على الحضور، ثم توقفت لحظة عند آدم، قبل أن تبدأ الحديث.
— سنستكمل الجلسة، — قالت بهدوء. — ولكن قبل ذلك، لدي سؤال موجّه إلى السيدة ليلى مراد.
اعتدلت ليلى في جلستها، وشعرت بجفاف في حلقها.
— تفضّلي، سعادة القاضية.
— هل طلبتِ من ابنك التدخل أو الحديث نيابة عنك؟
هزّت ليلى رأسها بسرعة.
— أبدًا. لم أعلم بما سيفعله إلا حين قاله.
نظرت القاضية إلى آدم مجددًا.
— هل هذا صحيح؟
— نعم، — أجاب فورًا. — لم تخبرني أمي بشيء.
— ولماذا قررتَ أن تتكلم اليوم؟
صمت آدم لحظة. بدا كأنه يبحث عن الكلمات، لا ليجعلها جميلة، بل دقيقة.
— لأنني سمعتُ أمي كثيرًا وهي تحاول أن تشرح… وفي كل مرة، كان الكلام ينتهي عند الأوراق، لا عند الحقيقة.
ساد صمت قصير، لم تقطعه القاضية هذه المرة.
تابع آدم، وقد شدّ كتفيه قليلًا:
— أبي يقول إنه الأقدر على تربيتي. وأنا لا أعرف معنى الأقدر… لكنني أعرف من كان يستيقظ معي حين أمرض، ومن كان ينتظرني بعد المدرسة،
تحرّك رائد في مقعده بقلق واضح.