أرسلو ابنتهم الأكثر قبحًا لتنظيف إسطبلات المليونير صاحب المزرعة… لكنها كانت حلمه الذي لم يكن يعرفه!
لم يكن الفجر قد أعلن نفسه بعد بل كان مجرد وعد شاحب يتخفى خلف طبقات كثيفة من الضباب حين توقفت العربة عند حافة الطريق الترابي. نزلت هيلينا ببطء كأن الأرض أثقل من المعتاد وكأن قدميها لم تخلقا للمغادرة بل للبقاء في الأماكن التي تنسى.
كانت تضم إلى صدرها كيسا قماشيا صغيرا مشدود الفم بخيط مهترئ. في داخله ثوبان متواضعان ومعطف قديم فقد لونه وأشياء أخرى لا ترى سنوات من الصمت وتعلم مبكر للانكسار واعتياد طويل على أن تكون فائضا عن الحاجة.
لم يرافقها أحد إلى بوابة المزرعة.
لم تمد يد لتعدل شعرها ولم يخرج صوت يقول تمهلي أو احذري.
حتى الوداع كان ترفا لم يخصص لها.
في جيبها الداخلي ورقة مطوية بعناية قاسية كتبتها أمها بخط مستقيم يخلو من التردد كأنها تكتب كشف جرد لا رسالة إنسانية
هي هذه.
تصلح للأعمال الشاقة.
خذوها.
قرأت هيلينا الكلمات مرارا لا لتتأكد منها بل لتتأكد من نفسها نعم هذه هي. لا اسم لا تاريخ لا سؤال عن قدرتها على الاحتمال. فقط توصيف وظيفي لجسد يمكن استخدامه.
هكذا كانت الحياة في تلك الأزمنة من أزمنة السرتاو زمن يقاس فيه الإنسان بما يظهر منه لا بما يخفيه.
كان الوجه عملة والجمال رأس مال والأنوثة امتيازا إن صادفت الملامح الصحيحة.
في فيلا براڤورا حيث نشأت هيلينا كانت
كانت هيلينا تعرف موضعها في هذا الترتيب الصارم.
موضع الزائدة.
التي لا تمدح ولا تلام كثيرا لأن وجودها نفسه لا يستحق الانتباه.
تلك التي إن غابت لا يسأل عنها وإن حضرت لا ينتظر منها سوى الطاعة.
حين ظهرت مزرعة مونتس في آخر الطريق بدت كأنها عالم مستقل مفصول عن كل ما عرفت.
بيت واسع تحيط به الحظائر ومرعى يمتد حتى يذوب في الأفق ومخزن قديم ملاصق للإسطبل بني من خشب داكن تشبع بروائح التبن والسنين.
إلى ذلك المخزن تحديدا أرسلت هيلينا.
لم يذكر اسم البيت ولا الحقول ولا المطبخ.
قيل فقط ستنظف المخزن.
كأن قدرها منذ البداية أن تكنس بقايا حياة الآخرين دون أن تمس الحياة نفسها.
استقبلها القيم سيفيرينو بنظرة خاطفة لا تحمل فضولا ولا قسوة وسأل بصوت محايد كالأرض اليابسة
أأنت الجديدة
نعم سيدي. جئت لتنظيف المخزن أجابت وقد أبقت عينيها منخفضتين كما تعلمت.
ابدئي من الداخل. المالك سيصل اليوم. ليكن كل شيء مرتبا.
لم يضف كلمة واحدة.
لم يسأل عن اسمها.
ولم تنتظر هي أكثر من ذلك.
دخلت المخزن وأغلقت الباب خلفها.
في اللحظة الأولى باغتها الهواء الثقيل المشبع برائحة التبن والرطوبة والخشب القديم. سعلت قليلا ثم استنشقت بعمق كما لو كانت تدرب رئتيها على حياة جديدة.
لكن ما لامسها حقا لم يكن الرائحة بل الصمت.
صمت مختلف.
ليس الصمت الذي عرفته في بيتها ذاك الذي كان عقابا أو علامة ازدراء أو انتظارا لزلة.
هذا الصمت كان حياديا.
لا يراقب لا يحاكم لا يقارن.
للمرة الأولى شعرت أنها موجودة بلا مقياس.
لا أحد يضعها في كف ميزان ولا أحد ينتظر سقوطها ليشير.
أمسكت المكنسة وبدأت العمل.
كانت الحركة آلية في البداية جسد يعرف واجبه حتى دون أوامر. ومع مرور الوقت بدأ العرق يتجمع على جبينها واحترقت ذراعاها من التكرار. لكنها لم تتوقف. التوقف كان رفاهية لا تعرفها.
حين مالت الشمس وامتد الضوء الذهبي عبر الشقوق العالية سمعت خطوات عند المدخل.
خطوات ثابتة غير مترددة.
لم تلتفت فورا.
اعتادت أن تصغر حين يصل المهمون.
هيلينا
كان الصوت رجوليا شابا لكن فيه صلابة لا تخطئها الأذن.
استدارت ببطء قابضة على المكنسة بكلتا يديها.
نعم سيدي.
كان كايو مونتس واقفا عند الباب.
صاحب المزرعة.
لم يكن طويلا على نحو لافت لكن حضوره ملأ المكان. جسده موسوم بالشمس كتفاه مشدودتان ونظرته لا ترفع صوتها لكنها تأمر.
انتظرت هيلينا الحكم
نظرة اشمئزاز أو كلمة تعيدها فورا إلى حجمها.
لكن شيئا مختلفا حدث.
كايو لم ينظر إليها كمن يرى وجها بل كمن يحاول قراءة ما وراءه.
كأن الحياة تركت علامات لا ترى وهو يحاول تتبعها.
ماذا قالوا لك حين أرسلوك سأل.
ترددت لحظة ثم أجابت كما لو كانت تقتبس نصا محفوظا
أن أعمل ولا أشتكي.
قطب جبينه.
هنا لا يعيش أحد منحنيا. العمل موجود نعم لكن الاحترام كذلك. هل فهمت
توقفت الكلمات عند أذنها كأنها لغة جديدة.
احترام.
لست معتادة على الاحترام قالت بصوت خافت لكنني سأحاول.
علقت الجملة في صدره.
غير معتادة على الاحترام
كأن الاحترام امتياز يمنح لغيرها فقط.
لم يقل شيئا آخر. اكتفى بهزة رأس وغادر.
في تلك الليلة حين حل الظلام رآها كايو صدفة.
ضوء خافت يرتعش داخل المخزن.
دخل فوجدها جالسة على الأرض تخيط قطعة قماش صغيرة بعناية من اعتاد أن يصنع لنفسه أقل الأشياء.
أتنامين هنا سأل ونبرته أقرب إلى الغضب.
هذا ما أمرت به وقد اعتدت.
اعتدت النوم على الأرض
صمتت لحظة ثم قالت
اعتدت ألا يكون لي خيار.
تنفس بعمق كما لو كان يضبط غضبا لا يعرف مصدره.
غدا تجهز لك غرفة قرب المطبخ. لن تنامي هنا بعد اليوم.
لا أريد أن أسبب إزعاجا
الإزعاج أن يترك إنسان على الأرض قال بحدة. انتهى.
خفضت رأسها.
لم تعرف كيف تشكره.
فالشكر يحتاج ذاكرة رعاية وهي ذاكرتها خاوية.
وفي تلك الليلة قبل أن تنام على الأرض