طلب منها رعاية ابنه… فاضطر للزواج منها على الورق لإنقاذ حضانة الطفل
لم يكن الطريق عند أطراف وادي السكون سوى شريط رمادي مهمل يقطع الفراغ كما لو أنه نسي عمدا. أشجار السرو على الجانبين بدت متعبة منحنية قليلا كأنها شهدت ما يكفي من الأسرار لتتوقف عن السؤال. كان الصمت هناك ثقيلا ليس صمت غياب الأصوات بل صمت انتظار غامض يشبه اللحظة التي تسبق انكسار شيء عزيز.
توقفت السيارة فجأة.
ارتطم صوت الباب بالهواء بقسوة غير مبررة كأن أحدهم صفع الصمت نفسه. وفي اللحظة ذاتها انطلق بكاء رضيع حادا متواصلا يخترق السكون مثل إنذار لا يعرف الرحمة. لم يكن بكاء جوع ولا ألم عابر بل بكاء خوف خالص كأن الروح الصغيرة أدركت قبل الجميع أن شيئا ما قد اختل.
كان سليم الراشد يقف إلى جوار السيارة وبدلته الداكنة متجعدة عند الأكمام وربطة عنقه مرتخية كما لو أنها فقدت سبب وجودها. بدا أطول من اللازم في ذلك الفراغ وأضعف مما يوحي به جسده. حمل الطفل بين ذراعيه بحركات مترددة حاول أن يهدهده لكن ذراعيه لم تعودا تعرفان إيقاع الطمأنينة.
لم يكن يرتجف من البرد.
كان الارتجاف أعمق من ذلك.
نظر حوله بقلق كمن يبحث عن شاهد أو عن خلاص أو حتى عن عذر متأخر. لم يكن هناك أحد إلا امرأة تقف على بعد خطوات ممسكة بحقيبة تنظيف صغيرة تضغط عليها كما لو
ليان.
عاملة النظافة الجديدة.
لم تتجاوز السابعة والعشرين. نحيلة الجسد بشعر داكن مشدود بإحكام خلف رأسها ووجه شاحب قليلا لا بسبب المرض بل بسبب التعب المتراكم منذ سنوات. عيناها الواسعتان كانتا تحملان إرهاقا أقدم من عمرها إرهاق من تعلم مبكرا أن الحياة لا تمنح دون مقابل.
كانت تقف متيبسة لا تدري هل تتقدم أم تتراجع. شعرت فجأة أن الطريق كله انكمش وأن العالم ضاق ليضعها في قلب لحظة لم تطلبها ولم تستعد لها.
استجمع سليم ما تبقى من صوته وقال متلعثما على غير عادته وكأن الكلمات تنتزع منه بالقوة
هل تستطيعين رعاية ابني
بقيت الجملة معلقة في الهواء ثقيلة غير منطقية كأنها قيلت في حلم سيئ. اتسعت عينا ليان وتجمد جسدها بالكامل. لم يكن هذا ضمن أي احتمال خطر ببالها حين قبلت العمل قبل أيام. لم يكن سؤالا يطرح في اليوم الأول ولا في الشهر الأول ولا في أي ظرف طبيعي.
ابتلعت ريقها وشعرت بقلبها يقفز بعنف داخل صدرها.
هي التي خرجت قبل أسابيع فقط من قرية عين الغيم تاركة خلفها بيتا متداعيا وأما مريضة يحتاج علاجها مالا لا يرحم وفواتير تتكاثر كما لو كانت كائنات حية. جاءت إلى المدينة بحثا عن عمل صامت لا يتطلب سوى أن تخفض رأسها وتنجو
وها هي الآن في منتصف طريق مهجور أمام رجل غريب يبدو ثريا يطلب منها ما يشبه المستحيل.
فتحت فمها لتعتذر لتقول إنها لا تستطيع إنها غير مؤهلة إنها مجرد عاملة نظافة لكن سليم رفع يده بسرعة كأنه يخشى أن تهرب الكلمات قبل أن يسمعها.
قال بصوت مكسور أقل حدة أقرب إلى الرجاء
اسمعي فقط من فضلك.
كان في نبرته شيء أوقفها. لم يكن سلطة ولا مالا بل انكسار رجل يقف على حافة الهاوية.
سكتت.
تنفس سليم بعمق ثم بدأ يتحدث كأن سيلا فتح ولم يعد قادرا على إيقافه. قال إن زوجته نورا توفيت قبل ثلاثة أشهر في حادث مفاجئ. قالها بجفاف ظاهري لكن عينيه فضحتاه كان فيهما فراغ يشبه الفقد الذي لا يشفى.
منذ ذلك اليوم تغير كل شيء. البيت الذي كان مليئا بالضحك صار واسعا أكثر من اللازم. الساعات صارت أثقل. والطفل الطفل لم يعد ينام.
آدم الذي لم يتجاوز عامه الأول رفض كل مربية. بكى مع الجميع. صرخ مع الجميع. تشبث بالهواء كأنه يبحث عن أمه في كل وجه غريب. أمضى سليم ليالي كاملة بلا نوم يحمل ابنه يسير به في الممرات يجرب كل نصيحة سمعها بلا جدوى.
ثم جاءت العائلة.
بوجوه صارمة وكلمات مغطاة بالقلق الظاهري. قالوا إن كثرة سفره لا تناسب تربية طفل. قالوا إن
قالها بصوت منخفض
الجلسة بعد أسبوعين.
إن خسرت هذا الطفل أخسره إلى الأبد.
شعرت ليان بثقل الحكاية يهبط على صدرها لكنها بقيت متماسكة. هذه ليست قصتها هكذا حاولت إقناع نفسها.
لكن سليم قال شيئا آخر.
شيئا غير كل شيء.
نظر إلى الطفل بين ذراعيه ثم إليها وقال
الغريب أنه حين تمرين أنت يهدأ.
ارتجف قلبها.
تذكرت رغما عنها كيف في اليوم السابق زحف آدم على أرضية المطبخ متجاوزا ألعابه متجها نحوها. كيف تشبث بمئزرها وكيف توقف بكاؤه فجأة كأن جسده تعرف على شيء مألوف.
وفي تلك اللحظة وكأن الذاكرة تجسدت مد آدم ذراعيه الصغيرتين نحوها الآن.
لم تستوعب ما يحدث إلا حين وجدته بين ذراعيها.
كان دافئا خفيفا ورائحته تشبه الحليب والأمان. توقف البكاء تدريجيا تحول إلى نشيج متقطع ثم إلى صمت كامل. أسند رأسه الصغير على كتفها وتنفس بعمق كمن وصل أخيرا إلى بر آمن.
شهقت ليان بخفة وكأنها هي من هدأت لا الطفل.
راقب سليم المشهد بعينين دامعتين ثم قال الجملة التي لم تكن أقل غرابة من سابقتها
أنا أحتاج زوجة.
زواج على الورق فقط.
عرض مالا لم تسمع بمثله. علاج أمها. مستقبلا
لا أريد حبا. لا علاقة.