قالت لطفلتها إن تكلمتِ لن يصدقك أحد لكن الحقيقة خرجت أخيرًا
لم يكن صوت الطفلة واضحا في البداية بل أشبه بهمس خائف تائه بين جدران الغرفة الهادئة.
همس خرج مترددا كأنه يخشى أن يسمعه أحد غير من وجه إليه.
بابا ماما فعلت شيئا سيئا لكنها قالت إن الأمور ستسوء كثيرا لو أخبرتك أرجوك ساعدني ظهري يؤلمني
توقف ياسر الكيلاني عند عتبة غرفة ابنته كأن الكلمات اصطدمت بصدره قبل أن تصل إلى أذنيه.
عاد منذ ساعات قليلة فقط من رحلة عمل طويلة إلى سنغافورة ما تزال حقيبته الجلدية موضوعة عند مدخل البيت وما يزال جسده يحمل إرهاق الطيران لكن قلبه كان خفيفا مهيأ لعناق دافئ لطفلة اشتاق إليها أكثر مما اشتاق إلى النوم.
كان المنزل صامتا على غير عادته.
لا صوت للموسيقى ولا حركة في المطبخ ولا حتى ضحكة طفولية كانت تستقبله دائما عند عودته.
وقبل أن يتمكن من مناداة ابنته لمح زوجته السابقة نوال فؤاد تهرع نزولا على الدرج بخطوات متعجلة كأن البيت يطاردها.
قالت بحدة وهي تلتقط حقيبتها دون أن تنظر إليه
لدي حالة طارئة في الصالون لا وقت الآن.
تجاوزت تحيته تجاهلت دهشته ولم تلتفت حتى حين ناداها باسمها.
أغلقت الباب خلفها بقوة وتركت خلفها صمتا أثقل من أي صراخ.
وقف ياسر لثوان يحاول أن يفسر ذلك السلوك المرتبك.
نوال لم تكن يوما امرأة عاطفية لكنها أيضا لم تكن فوضوية إلى هذا الحد.
كان في حركتها شيء آخر شيء يشبه
تقدم ببطء نحو غرفة ابنته ليان.
طرق الباب طرقا خفيفا محاولا أن يرسم ابتسامة في صوته.
أميرتي عدت إلى البيت. ألا تستقبلين والدك بعناق
جاءه الرد من الداخل صوت خافت آلي بلا حياة
أنا هنا يا بابا.
فتح الباب.
فتجمد في مكانه.
كانت ليان ذات الأعوام السبعة جالسة على طرف السرير ظهرها إلى الحائط كتفاها منحنيان على نحو غير طبيعي كأن جسدها الصغير يحمل ثقلا لا يليق بعمرها.
كانت ترتدي قميصا قطنيا واسعا أكبر من مقاسها بكثير يغطي ذراعيها حتى أطراف أصابعها ويخفي ملامح جسدها بالكامل.
لم تلتفت نحوه.
لم تركض.
لم تبتسم.
اقترب ياسر بقلق وجثا ليكون في مستواها.
ما بك يا ليان ماذا حدث
تحركت ببطء شديد وكأن كل حركة تستدعي حسابا مسبقا للألم.
وحين التفتت نحوه مد ياسر ذراعيه ليحتضنها لكن صرخة حادة مزقت سكون الغرفة.
آه! بابا لا لا تمسكني هكذا يؤلمني!
تراجع مذعورا شعر وكأن الأرض انزلقت من تحته.
أين يؤلمك قولي لي.
ابتلعت ليان ريقها وانخفض صوتها حتى كاد يختفي.
ظهري يؤلمني منذ أيام.
لماذا لم تخبريني
ماما قالت إنني سقطت وقالت إن هذا طبيعي لكنها لكنها لا تسمح لي بالاستلقاء على ظهري.
انعقد قلب ياسر بعقدة باردة.
جلس أمامها أمسك يديها الصغيرتين شعر ببرود أصابعهما.
يمكنك أن تخبريني بالحقيقة يا ليان.
ماما قالت إنك لن تصدقني.
من
خفضت رأسها وتشبثت بأطراف القميص.
قالت إن الكبار يصدقون الكبار فقط وإنك ستقول للجميع إنني أكذب.
شعر ياسر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
أمسك بيديها بحزم مملوء بالألم.
أنا أصدقك. دائما.
حتى لو حتى لو كانت ماما
خاصة لو كانت ماما.
تنفست ليان بعمق وكأنها تستجمع شجاعة ثقيلة.
كان يوم الثلاثاء غضبت لأنني لم آكل الخضار. أرسلتني إلى غرفتي. ثم جاءت كانت تصرخ أمسكت بذراعي بقوة دفعتني
توقفت وارتجف صوتها.
ارتطم ظهري بمقبض خزانة الملابس المعدن كان الألم شديدا.
شد ياسر فكيه حتى شعر بألم في أسنانه لكنه لم يرفع صوته.
هل أخذتك إلى طبيب
لا ذهبت إلى الصيدلية قالت إنني سقطت أثناء اللعب. وضعت لي كريما وضمادات وقالت لي ألا أزيلها أبدا.
سقط الصمت بينهما ثقيلا خانقا.
لم يكن هذا حادثا.
كان إخفاء.
هل أستطيع أن أرى ظهرك
أومأت ليان بتردد.
استدارت ببطء ورفعت القميص.
وتجمد الزمن.
كانت الضمادات متسخة مائلة إلى الصفرة مشدودة بإحكام غير طبيعي وتنبعث منها رائحة خفيفة لا تخطئها حاسة أب.
رائحة التهاب.
منذ متى لم تغير هذه الضمادات
لا أعرف يوم الأربعاء ربما قالت لي ألا ألمسها قالت إن منظرها قبيح.
شعر ياسر بالغثيان.
لم يكن هذا إهمالا عابرا.
كان خوفا وإسكاتا وربما أكثر.
وقف فجأة.
سنذهب إلى المستشفى. الآن.
اتسعت عينا ليان هلعا.
هل سأعاقب
لا يا صغيرتي لم تفعلي شيئا خاطئا. طلب المساعدة ليس خطأ. أبدا.
حملها برفق من الأمام كما لو كانت من زجاج.
أنا معك ولن أتركك.
وفي الطريق ومع كل مطب في الشارع كان أنينها الخافت يمزق قلبه قطعة قطعة.
كان هذا فقط
بداية الحقيقة.
كان الطريق إلى مستشفى الأطفال أطول مما يحتمله قلب أب يرى الألم يرتسم على وجه طفلته مع كل اهتزاز خفيف للسيارة.
قبض ياسر الكيلاني على عجلة القيادة بيدين متشنجتين وكأن إحكام قبضته قد يمنع الألم من الوصول إلى المقعد الخلفي حيث جلست ليان منكمشة تحاول كتم أنينها لكنها تفشل في كل مرة يعبرون فيها مطبا أو ينحرف الطريق قليلا.
بابا هل وصلنا
سألته بصوت واهن كأن السؤال نفسه يستنزف ما تبقى من قوتها.
بعد دقائق فقط يا حبيبتي تحملي قليلا.
لم يكن ياسر متأكدا إن كان يقول ذلك لها أم لنفسه.
كان عقله يشتعل بأسئلة متلاحقة وكل سؤال أثقل من سابقه
كيف لم ير ذلك
كيف تركها أسبوعا كاملا
كيف صدق أن نوال قادرة على الرعاية
وصل إلى بوابة الطوارئ وترجل بسرعة حمل ليان بين ذراعيه ودخل المستشفى بخطوات متعثرة وهو يكرر بصوت مرتفع
طفلة مصابة ألم شديد في الظهر منذ أيام!
لم ينتظر كثيرا.
جاءت ممرضة ثم طبيب ثم سرير متحرك.
كانت الأحداث تتسارع بينما شعور واحد فقط يسيطر على ياسر الخوف.
دخل الطبيب المناوب الدكتور
حسنا يا ليان