أمي خرجتنا من المدرسة عشان تعلمنا السرقة بقلم اسامه الهواري خاص بموقع ايام وناشريه
أمي خرجتنا من المدرسة عشان تعلّمنا السرقة…
أنا اسمي حسام.
في الوقت اللي بحكيلكم فيه القصة دي، كان عندي 18 سنة.
إحنا أسرة مكوّنة من ولدين وبنتين. الأكبر فينا إبراهيم، وقتها كان عنده 16 سنة، وأصغرنا بنتين توأم: رنا وروان، وكان عندهم في الوقت ده 9 سنين.
بعد وفاة بابا، الحال بينا ضاق. وحرفيًا مكانش معانا تمن اللقمة، وكلنا كنا في مدارس.
وقبل ما نكمّل الحكاية، تعالوا نصلّي على النبي، ونبدأ القصة من البداية للنهاية.
في يوم صحينا كالعادة عشان نروح المدرسة، لكن اتفاجأنا إن أمنا بتقول لنا:
«خلاص، من النهارده مفيش مدرسة».
الكلمة نزلت علينا تقيلة، زي حجر اترمى فجأة في مية هادية. بصّينا لبعض، وأنا أول واحد اتكلمت:
«إزاي يعني يا أمي؟»
قالت، وهي واقفة في نص الأوضة، وعينيها باين فيها تعب سنين:
«في واحد هييجي ياخدكم الأربعة من البيت، يعلّمكم صنعة تاكلوا منها عيش».
استغربت من كلامها، وقلت من غير
«صنعة؟ طيب إزاي؟ إحنا معندناش مانع نخرج من المدرسة، بس سيبي رنا وروان يكملوا تعليمهم. دول لسه صغيرين، دول حتى مش هينفع يشتغلوا».
ساعتها أمي ابتسمت… ابتسامة غريبة خوّفتني، وقالت:
«اللي متعرفهوش إن رنا وروان أنسب منكم للصنعة دي».
حسّيت قلبي وقع.
أنسب إزاي؟
بنتين عندهم 9 سنين؟
قالت وهي بتلف ضهرها:
«رجّعوا شنطكم. كلها كام ساعة، والمعلم صبيح هييجي ياخدكم».
فضلت واقف بفكّر: مين المعلم صبيح؟
وإيه الصنعة اللي تناسب طفلين في السن ده؟
عدّى الوقت تقيل، وفجأة خبط شديد على الباب.
دخل راجل تخين شوية، صوته أجش، وعينه بتلف في البيت كأنه بيعاين بضاعة.
قال لأمي:
«دول هما؟»
قالت:
«أيوه».
عينه وقفت عند رنا وروان، وابتسم. نزل لمستواهم، وطلع عملة من ودن واحدة فيهم.
البنات ضحكوا… وأنا جسمي اتشل.
قال:
«دول هيطلعوا شُطّار».
ونزلنا معاه.
من اللحظة دي… الطفولة خلصت.
دخلنا مكان مليان أطفال،
عيونهم
المعلم صبيح قال:
«هنا مفيش لعب. اللي يسمع يعيش».
اتعلّمنا إزاي الإيد تتحرك من غير ما تتحس،
إزاي العين تسرق قبل الإيد،
وإزاي نخاف من البوليس أكتر من ربنا.
وأكتر حاجة وجعتني، إن أول تدريب كان على رنا وروان.
لبّسهم هدوم واسعة، وقال:
«البراءة كنز».
نزّلهم السوق، وأنا واقف بتفرّج على أختي وهي بتطلع محفظة من شنطة ست.
رجعوا، والمعلم باس راسهم، وقال:
«أنجح من الرجالة».
من اليوم ده بقينا شغل…
مش إخوات.
السنين عدّت.
كبرنا في الشوارع.
إبراهيم بقى خشن،
وأنا بقيت أعرف الناس من جيوبها.
رنا وروان كبروا بدري… قوي.
وفي شغل كبير، محل دهب، حصل غلط.
صرخات، زحمة، والبوليس جاي.
هربنا…
بس روان ما هربتش.
رجعنا ندوّر عليها، لقينا المعلم صبيح واقف هادي.
قلت له، وأنا مش شايف قدّامي:
«روان فين؟»
قال ببرود:
«الشغل ليه تمن».
في اللحظة دي فهمت إن السكوت كان جريمة.
قررنا نرجّعها…
أو نموت.
دخلنا عالم
تهديد،
ضرب،
دم.
وفي ليلة، البوليس دخل علينا.
اتقبض عليّ أنا وإبراهيم.
السجن كان أول مكان أبصّ فيه لنفسي بجد.
زنزانة ضلمة، ووقت كتير، وذنب ما بينامش.
كنت بصلي وأقول:
«يا رب… إحنا نستاهل، بس روان؟»
قابلت راجل كبير قال لي:
«أكتر حاجة توجع، إنك تشوف نتيجة سكوتك».
بعد سنتين خرجت.
إبراهيم لسه جوّه.
الدنيا كانت مقفولة،
بس قلبي بدأ يفوق.
لقيت رنا شغّالة خياطة.
وشّها متعب، بس فيه نور.
حضنتها وبكيت.
في يوم دخلت مسجد من غير ترتيب.
الإمام قال:
«باب التوبة مفتوح… بس التوبة مسؤولية».
ومن اليوم ده بدأت أصلّح.
اشتغلت أي حاجة حلال.
ساعدت أطفال شارع.
حكيت لهم اللي شوفته، من غير تجميل.
وبعد سنين طويلة…
لقينا روان.
كانت مكسورة…
بس عايشة.
رجعت بالعلاج والصبر.
مش زي الأول،
ولا إحنا زي الأول.
إبراهيم خرج من السجن واتغيّر.
بقينا أسرة مجروحة… بس تائبة.
دلوقتي، وأنا بحكي القصة
التوبة إنك تعيش، وتحاول تصلّح قد ما تقدر.
الفقر مش مبرر. والسكوت جريمة.
وربنا دايمًا سايب باب الرجوع مفتوح.
تمّت
بقلم أسامة الهواري