قدّمت حماتها زيّ خادمة في الزفاف… لكن الأم قلبت القاعة في لحظة

لمحة نيوز

اسمي ليلى وأنا أم قبل أي مسمى آخر. تعلمت مبكرا أن الأمومة لا تقاس بعدد السنوات ولا بعدد الصور المعلقة على الجدران بل بعدد المرات التي شعرت فيها أن قلبك يقفز فجأة من مكانه بلا إنذار خوفا على روح خرجت منك ولم تعد ملكك وحدك.
الأمومة ليست كلمات محفوظة ولا نصائح جاهزة هي ذلك الإحساس الغامض الذي يطرق صدرك في لحظة غير متوقعة ويقول لك إن هناك شيئا ليس في مكانه حتى لو بدا كل شيء على السطح مثاليا.
يوم زفاف ابنتي نور كان من المفترض أن يكون يوم فرح صاف يوما أراقب فيه ابنتي وهي تبدأ حياتها بثقة وأمان وأقف أنا على الهامش أصفق وأبتسم وأدع لها فقط.
لكن منذ الصباح كان هناك شيء يضغط على صدري. شيء ثقيل غير مرئي لا أملك له تفسيرا واضحا. حاولت تجاهله أقنعت نفسي أنه توتر أم عادي خوف طبيعي من انتقال ابنتي إلى مرحلة جديدة.
غير أن قلبي لم يقتنع. كان يدق بطريقة مختلفة كأنه يحاول أن ينبهني كأنه يقول لي انتبهي لا تمري مرور الكرام.
كانت نور جميلة أكثر مما توقعت. وقفت أمامي بثوبها الأبيض تضحك تدور حول نفسها بخفة بينما

كنت أراقبها بعين الأم التي تحفظ تفاصيل ابنتها أكثر مما تحفظ ملامحها الخاصة.
كنت أرى في ضحكتها الطفلة التي كانت تختبئ خلفي والمراهقة التي بكت على كتفي والمرأة التي تقف الآن أمامي ظنا منها أنها مستعدة لكل شيء.
سألتني وهي تبتسم
مالك يا ماما شكلك متوترة أكتر مني.
ضحكت وقلت وأنا أحاول أن أبدو هادئة
توتر أم بقى حق مشروع.
لكن الحقيقة أن الأمر كان أعمق من ذلك. لم يكن توترا عابرا بل إحساسا بأنني على وشك أن أشهد شيئا لن أنساه.
تعرفت إلى والدة العريس سعاد قبل الزفاف بأشهر قليلة. امرأة تعرف كيف تختار كلماتها بدقة وكيف تبتسم دون أن تمنحك دفئا حقيقيا.
كانت نظراتها ثابتة أكثر من اللازم وابتسامتها محسوبة كأنها لا تترك شيئا للصدفة. كانت تنظر إلى نور كما ينظر البعض إلى شيء جديد يريدون التأكد من أنه سيؤدي الغرض المطلوب.
كنت أقول لنفسي لا تحكمي. يمكن سوء ظن. يمكن اختلاف طباع. يمكن أنا حساسة زيادة علشان دي بنتي.
لكن قلبي لم يكن مطمئنا وكل مرة كنت أحاول إسكات إحساسي كان يعود أقوى.
خلال مأدبة العشاء وبعد أن
هدأ الضجيج قليلا طلبت سعاد الميكروفون. وقفت بثقة لافتة كأنها تستعد لإلقاء كلمة مدروسة.
قالت بصوت عال
أنا حابة أقدم هدية بسيطة لعروستنا نور.
صفق الجميع. صفقت معهم لكن يدي كانت باردة وكأن الدم انسحب منها فجأة.
قدمت سعاد صندوقا طويلا ملفوفا بشريط أحمر. أمسكت نور الصندوق بابتسامتها المعتادة تلك الابتسامة التي تعلمت أن تستخدمها في المواقف المحرجة وبدأت تفتح الغطاء.
وحين انكشف ما بداخله ساد الصمت.
كان زي عاملة منزلية مطويا بعناية واضح المعنى لا يحتاج إلى شرح ولا يحتمل تأويلا بريئا.
ضحك العريس أحمد وقال بنبرة خفيفة
هو ده بقى اللي هينفعك في البيت.
ضحك بعض الحضور بارتباك. أنزل آخرون رؤوسهم. وهناك من حاول أن يتظاهر بأن الأمر عادي.
أما نور فابتسامتها انكسرت.
رأيت أصابعها ترتجف وهي تمسك القماش ورأيت دموعا تحاول الهروب من عينيها دموعا خجولة كأنها تعتذر عن نفسها.
وفي تلك اللحظة لم أر ابنتي عروسا. رأيتها طفلة. طفلة تحتاج أمها الآن وليس بعد الحفل.
نهضت بهدوء. لم أرفع صوتي ولم أظهر غضبي. كنت هادئة على
نحو أدهشني أنا نفسي.
قلت بثبات
يمكن ده وقت مناسب إن نور تفتح هديتي.
انحنيت وأخرجت الصندوق الصغير الذي أخفيته أسفل الكرسي وتقدمت نحو ابنتي وربت على كتفها وقلت
افتحيه يا حبيبتي.
فتحت نور الصندوق ومع أول ورقة ظهرت تغيرت الوجوه.
كانت مستندات ملكية شقة. شقة اشتريتها منذ سنوات باسم ابنتي وحدها دون ضجيج ودون إعلان.
وفوق الأوراق بطاقة صغيرة كتبت فيها
إلى ابنتي البيت شراكة مش وظيفة.
ساد الصمت مرة أخرى لكنه هذه المرة كان صمتا ثقيلا صمتا يكشف أكثر مما يخفي.
قال أحمد متوترا
إيه ده إيه لازمة الكلام ده دلوقتي
نظرت إليه وقلت بهدوء
عشان اللي اتقال دلوقتي محتاج يتوازن.
حاولت سعاد التبرير وقالت بسرعة
كانت هزار.
فأجبتها دون انفعال
الهزار ما بيكسرش نفس عروسة في يوم فرحها.
رفعت نور رأسها وقالت بصوت هادئ لكنه ثابت
شكرا يا ماما مش علشان الشقة علشان ما سبتينيش أتحرج وأسكت.
احتضنتها وأنا أعلم أن شيئا ما تغير إلى الأبد حتى لو حاول الجميع تجاهله.
بعد انتهاء الحفل لم يعد شيء كما كان حتى وإن حاول الجميع التصرف وكأن
ما حدث مجرد لحظة عابرة لا تستحق الوقوف عندها. كانت
تم نسخ الرابط