سائق حافلة لاحظ يدي طفل مخبّأتين من البرد… وما حدث بعدها أبكى القاعة كلها

لمحة نيوز

لم يكن الصقيع وحده ما جعل ذلك الصباح ثقيلاً.
كان هناك شيء آخر… إحساس غامض بأن اليوم يحمل ما لا يشبه سواه، رغم أن كل شيء بدا في ظاهره عاديًا، مألوفًا، مكرورًا حتى الملل.
أدرت محرّك الحافلة قبل الفجر بدقائق، فاهتز جسدها الأصفر العتيق ككهلٍ ينهض على مضض من نومه. تنفّس المحرك ببطء، وزفرت معه، أراقب أنفاسي تتكثف في الهواء كأنها دليل مرئي على البرد الذي يتسلل إلى صدري.
اسمي جلال عبد الرحمن، خمسة وأربعون عامًا من العمر، وسائق حافلة مدرسية منذ زمنٍ يكفي لأن يجعل الطرق تحفظ اسمي قبل أن أنطق به.
ليست وظيفة يحلم بها أحد، ولا يصفق لها الناس، لكنها بالنسبة لي كانت دائمًا أكثر من مجرد مقود ومكابح. كانت حياة كاملة تسير على عجلات.
قبل شروق الشمس بقليل، كنت قد فتحت البوابة الحديدية للحافلة، وبدأ الأطفال يتوافدون واحدًا تلو الآخر، بوجوه نصف نائمة، وحقائب أكبر من ظهورهم، وضحكات تقاوم البرد.
رفعت صوتي كعادتي، متصنعًا الحماس:
«يلا يا أبطال، أسرعوا… الجو ده ما بيرحمش!»
ضحكات صغيرة ترددت، وقفز بعضهم إلى الداخل، بينما راحت الأوشحة تُلف بعشوائية، والأزرار تُغلق على عجل، والأقدام تضرب الأرض لتتخلص من الصقيع.
عند الدرجة الأولى وقفت مريم، ذات الخمس سنوات، بشعرها المجدول وشخصيتها التي تسبق عمرها.
نظرت إليّ بتمعن، ثم قالت بثقة:
«إنت محتاج جاكت جديد يا عم جلال.»
ضحكت، وانحنيت قليلًا:
«وأنتِ محتاجة تشتغلي مستشارة أزياء.

»
قهقهت وقفزت إلى مقعدها، تاركة خلفها دفئًا غريبًا، دفئًا لا علاقة له بالمعاطف.
انطلقت الحافلة، ومع كل توقف وصعود طفل جديد، كانت الضوضاء تزداد، أصوات شجارات سريعة، أسرار تُهمس، ووعود تُنسى بعد دقائق.
كنت أراقبهم من المرآة، كما أفعل كل يوم، لا بدافع الفضول، بل بدافع العادة… وربما بدافع الحاجة إلى الشعور بأنني لست وحدي.
لم أكن غنيًا، ولا حتى مرتاح الحال.
زوجتي نادية لم تتركني أنسى ذلك، خاصة حين تضع فواتير الكهرباء والمياه أمامي مساءً وتقول:
«النية الطيبة ما بتدفعش حسابات يا جلال.»
كنت أبتسم وأرد:
«بس بتدفّي القلب.»
ولا تضحك.
وصلنا المدرسة، نزل الأطفال تباعًا، ولوّحت لهم كعادتي، ثم أغلقت الأبواب وبقيت وحدي داخل الحافلة.
العادة أن أتفقد المقاعد سريعًا: قفاز مفقود، كراسة منسية، بقايا إفطار.
لكن قبل أن أتحرك، وصلني صوت.
لم يكن ضحكًا.
ولا كلامًا.
كان أنينًا خافتًا… كأن أحدهم يحاول ألا يُسمَع.
تجمّدت يدي على المقود.
قلت بصوت منخفض:
«في حد لسه هنا؟»
لم يأتِ رد.
نهضت ببطء، ومشيت في الممر الضيق حتى آخر مقعد.
هناك، كان يجلس طفل صغير، منكمش على نفسه، رأسه منخفض، ويداه مخبأتان تحت فخذيه.
قلت بلطف:
«ليه ما نزلتش؟»
رفع رأسه قليلًا، عينان واسعتان محمرتان من البرد أو البكاء، لا أدري.
«بردان…»
نظرت إلى معطفه، كان أرق من أن يُسمّى معطفًا، مجرد قماش يحاول أداء مهمة أكبر منه.
جثوت أمامه:
«فين قفازك؟»
هز رأسه ببطء:
«ما
عنديش… اتقطعوا.»
مددت يدي:
«ممكن أشوف إيديك؟»
تردد، ثم كشف عنهما.
توقّف قلبي لحظة.
لم تكن يدان متجمدتان فقط، بل كان فيهما شيء آخر… إهمال طويل، برد متراكم، صمت لا يخص يومًا واحدًا.
نزعت قفازي فورًا، وألبستهما له.
«مش مقاسك، بس أحسن من ولا حاجة.»
نظر إليّ بدهشة، ثم قال بصوت مكسور:
«حضرتك هتبرد.»
ابتسمت رغم الغصة:
«أنا كبير… استحمل.»
لم يحتضنني.
لم يقل شكرًا.
فقط أمسك القفازين كأنهما شيء ثمين، ونهض متعجلًا، وركض خارج الحافلة.
جلست مكانه بعد أن رحل.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت بأن الحافلة أكبر من قدرتي على الاحتمال.
في ذلك اليوم، لم أذهب مباشرة إلى البيت.
دخلت متجرًا صغيرًا، اشتريت قفازات، وأوشحة، ومعطفًا صغيرًا.
لم أفكر، لم أحسب، فقط دفعت.
وضعت كل شيء في صندوق قديم، وكتبّت عليه بخط متردد:
"اللي بردان… ياخد."
أخفيته خلف مقعدي.
لم أخبر أحدًا.
وفي اليوم التالي، رأيت يدًا صغيرة تمتد إلى الصندوق.
ثم يدًا أخرى.
وعرفت، دون أن أفهم كيف، أن ما بدأ في آخر مقعد… لن ينتهي هناك.
لم يكن الصندوق ظاهرًا للعيان، لكن أثره كان أوضح من أي لافتة.
في البداية ظننت أن الأمر سيمر في صمت، كما أحب دائمًا أن تمر الأشياء. طفل يأخذ قفازًا، آخر وشاحًا، وينتهي كل شيء عند هذا الحد. لا شكر، لا أسئلة، لا ضجيج.
لكن المدارس لا تعرف الصمت طويلًا.
في اليوم الثالث لاحظت أن الحافلة أصبحت أهدأ قليلًا. لم تختفِ الفوضى، لكنها تغيّرت. لم
تعد ضحكات السخرية تعلو حين يرى أحدهم زميله بمعطف مهترئ، ولم تعد الهمسات القاسية تجد طريقها بسهولة.
كان الأطفال ينظرون إلى الصندوق، ثم إلى بعضهم، وكأن بينهم اتفاقًا غير معلن.
ذات صباح، وأنا أضبط المرآة الأمامية، سمعت صوت احتكاك خفيف خلفي. لم ألتفت فورًا.
ثم جاء صوت صغير:
«حضرتك… ممكن آخد ده؟»
نظرت، فوجدت طفلًا لم أره من قبل يرفع وشاحًا رماديًا بتردد.
قلت ببساطة:
«طبعًا.»
شدّ الوشاح إلى صدره وكأنه يخشى أن يغيّر رأيي، ثم نزل مسرعًا دون أن ينظر إليّ.
جلست خلف المقود، وشعور غريب يستقر في صدري.
لم يكن فرحًا صافيًا، بل مزيجًا من الدفء والقلق.
القلق من أن يُساء فهم الأمر، أو أن أكون قد تجاوزت حدًا لا أراه.
في المساء، عندما أخبرت نادية بما فعلت، صمتت طويلًا.
كانت تقطع الخبز ببطء، ثم رفعت رأسها وقالت:
«والفلوس؟»
قلت بهدوء:
«اتصرفت.»
نظرت إليّ نظرة أعرفها جيدًا، تلك التي تحمل خوفًا أكثر مما تحمل لومًا.
«إنت دايمًا بتشيل هم غيرك، وتنسى نفسك.»
لم أرد.
لأن الحقيقة أنني لم أكن أنسى نفسي…
كنت فقط لا أعرف كيف أضعها أولًا.
في اليوم التالي، استدعاني مدير المدرسة.
لم يكن النداء رسميًا، لكن قلبي انقبض فور سماعه.
مشيت في الممر الطويل، أصوات الطلاب تتردد من الفصول، وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها.
جلس الأستاذ سامح خلف مكتبه، رجل في الخمسين، ملامحه هادئة، وعيناه تقرآن أكثر مما تقولان.
قال وهو يشير إلى الكرسي:
«اقعد
يا جلال.»
جلست، ويدي متشابكتان.
سألني مباشرة:
«الصندوق اللي في الحافلة… فكرتك؟»
أومأت.
ساد صمت قصير.

تم نسخ الرابط