رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل العشرين 20 بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
يشهد الله أننا ما زرعنا سوى الورد بطريقهم.. أما هذا الشوك الذي جنيناه لم يكن لنا أبدا بل كان جورا صبته الحياة في دروبنا و هذا الخذلان الذي شق قلبي إلى نصفين لم أكن أتوقعه يوما ولا اعرف ما الذي يمكنه مداواته أو رد ألمه عني فكلما بدأت أنسجتي بالتعافي غمست الحياة خيبة أخرى بداخلي تعيدني إلى نقطة البداية مرة أخرى ولأن الشيء بالشيء يذكر فكل قطرة ألم نزفها جرحي علمتني بأن أنظر إلى البشر بعين العقل الذي لا يخطيء بالعادة فهو يرى النفوس على طبيعتها وليس طبيعتي فالقلب مرآة والعقل مصفاة.
نورهان العشري
بقولك البت دي لازم تتربى و نفكرها بعلقة الحفلة إياها.. دي خلت أبيه كمال وأبيه خالد يجبروني اعتذرلها مرتين.. هايدي انا مش هتحملها اكتر من كدا.. هموتها في أيدي و اخلص.. مبقاش غير بنت الخدامة دي كمان اللي هتتنطط علينا.. فكري هنغورها من الشركة ازاي
كان هذا حديث ميرهان الذي وصل إلى مسامع خالد حين كان يدلف خارج الشركة فوجدها تتحدث معطية ظهرها إليه مما جعله يقترب حتى يعرف مع من تتحدث بهذه العصبية ليتفاجأ بحديثها الذي يقطر حقدا جعل دماء الغضب تثور في عروقه فهتف بنبرة قاسية
و ايه كمان يا بنت الأسياد!
ارتعد جسد ميرهان حين سمعت حديث خالد لتلتف إلى الجهة الأخرى تناظره بذعر تفشى في سائر جسدها الذي أخذ يهتز كنبرتها حين قالت
_ أ.. أبية.. خالد.
اقترب منها خالد و عينيه تعكسان خيبة أمل كبيرة بالإضافة إلى غضب أهوج جعله يقول بحدة
بقيتوا بتصنفوا الناس خدم و أسياد! و يا ترى بقى دي تصرفات ناس أصلا عدى عليها تربية!
ميرهان بتلعثم فقد شعرت بانسحاب الهواء من رئتيها
مانا هفهمك.. انت سمعت غلط.. انا بس عايزة أبعدها عني.
قاطعها خالد بقسوة
اسكتي.. كل ما بتتكلمي بحس بخيبة أمل انك اختي.
كلماته أصابت أعماقها من الصميم لتهتف بأسى
أنت دايما شايفي وحشة حتى لو مكنتش كدا.
خالد بجفاء
عشان مشوفتش منك غير كدا بس خلي بالك الوضع دا مش هيستمر كتير.. عشان أنا هبدأ اتعامل معاكي بنفسي بعد كدا.
أرادت تذكيره بأنه لا يراهم من الأساس منذ وفاة زوجته و حتى طفلته ولكنه لم يمهلها الوقت بل تابع بتحذير
و تأكدي أن مفيش أي شيء بيحصل في الشركة دي مبيكونش عندي علم بيه فأحسنلك ابعدي عن آسيا نهائي.
في ايه و مالها آسيا
هكذا هتفت أشجان التي كانت في طريقها للخارج و أذا بها تسمع إسم شقيقتها الذي نطقه بنبرة غاضبة جعلت القلق يغزو تفكيرها و يشوب لهجتها
آسيا اختي كويسة صح
ميرهان بدهشة
أختك! هي الهانم شغلتك هنا
ميرهان.. على شغلك.
نبرتة الحادة اخرستها و جعلتها تبتلع باقي حروفها ولكن عينيها كانت كبركة حمراء مشتعلة من فرط الغضب و الحقد و لم يفت ذلك على أشجان التي هالها ما رأت بعيني هذه الفتاة التي غادرت لتتركهت برفقته فرفعت عينيها تناظره بصمت يحمل استفهام كبير و انتظار لإجابه تبدد قلقها على شقيقتها وقد لاح ذلك في عينيها التي جذبت أنظاره للحظة و خاصة أنها كانت صافية لا تعكس حزن يشوه لونهم الجميل ولا عبرات تطمس بريقهم الرائع..
سايبه شغلك ليه
احتارت ماذا تجيبه فلا مبرر لكونها تركت عملها و خرجت ولكنها أرادت مهاتفه المنزل والإطمئنان على أطفالها كما اعتادت كل يوم.. تحمحمت بخفوت قبل أن تقول بارتباك
كن.. كنت.. كنت عايزة الحق حضرتك قبل ما تمشي.
ضيق عينيه و هو يناظرها بريبة فقد كان متأكد بنسبة كبير أنها تكذب ولكنه نحى شكه جانبا و استفهم باختصار
ليه
عش.. عشان.. اه كنت عايزة أسألك عن الشغل اللي.. اللي كلفتني بيه.. اعمل فيه ايه
تلعثمها سببا كافيا للتأكد من أنها تكذب و كذلك حديثها الواهي لذا تحدث بجفاء ضاعف من حرجها
أنا بقول كلامي مرة واحدة.. لو مركزتيش
فيه مترجعيش تسأليني عنه.
أنهى جملته و التفت يستقل سيارته التي جلبها السائق و التي كان زجاجها معتم للغاية فمن بالداخل يرى من هم بالخارج ولكنهم لا يرونه لذا دقق النظر في ملامحها التي خيم عليها خيبة الأمل و في هذه اللحظة شعر بأن هناك شيء داخله يريد معرفة كل شيء يخص هذه المرأة.
لساتك مش ناوية تاكلي بردك!
هكذا تحدثت بدرية بجفاء مع ضي التي كانت تتسطح فوق أحد الأرائك التي تتوسط الصالة المتوسطة الحجم في هذا البيت الذي لم تتعرف حتى على محتوياته بل فقد كانت منشغلة بالرثاء على نفسها وهي تشجب ذلك القهر الذي تضعها الحياة تحت طائلته فأخذت تذرف الكثير من العبرات التي لامست قلب بدرية فاقتربت تربت على كتفها بحنو قلما أظهرته تجاهها وهي تتابع بلهجة أهدأ
طب جومي نتحدت سوى.. هتفضلي تبكي أكده الباجي من عمرك!
معيزاش اعمل حاچة.. همليني الله يرضى عليكي و سبيني باللي اني فيه.
كان صوتها متحشرجا حين هتفت بهذا الحديث وما أن همت بدرية بالحديث حتى شعرت باهتزاز هاتفها فانسحبت إلى الداخل لتقوم بالرد عليه بعد أن أغلقت الباب خلفها
ايوا يا زناتي.
زناتي بصوت يرتجف رعبا
اللي كنا خايفين منه حوصول
شعرت بالأرض تميد بها ولكنها حاولت أن تبدو متماسكة حين قالت
تجصد ايه يا زناتي
رماح.. عايز نچاة!
تلاشى تماسكها و احتل الذعر معالمها و صوتها حين قالت
يتجول ايه يا زناتي ! عايز نچاة يعمل بيها اي
زناتي بنبرة مغمومة
هيكون ليه يا بدرية! عايز ينزلها الوكر.. بس لول لازمن تعدي عليه.
انتفضت بدرية غضبا شاب نبرتها حين هتفت
يعدي عليه جطر البعيد.. احنا مش بنا اتفاج ولا اي دي بدل بتي اللي خلاني جتلتها بيدي و مش هسمحله يجرب عليها.
زناتي بقلة حيلة
و هتعملي اي هتجدري تجفي جدامه
تاهت بها السبل وشعرت بالعجز للحظات مرت بلا عودة فعقلها وضعها أمام حقيقة واحدة لا فرار منها قد تكون هي الطريق الوحيد لإنقاذ
هذه المسكينة لذا تحدثت بقسوة
لاه.. مش اني اللي هجف جدامه.. اني هخليه يجف جدام اللي مبيرحمش.. اسمعني زين.
شعرت بالحنين يجتاحها لسماع صوت مقرب إلى قلبها عله يهدأ و يتخطى هذا الحزن الذي يكاد يقتله لذا اعتدلت في نومتها و قامت باخراج الهاتف الذي أعطته لها آسيا من ملابسها وهي تحاول فتحه و التعامل معه حتى تتحدث مع أصدقائها ليأتيها صوت حاد من خلفها
أخيرا جومتي من نومت العيانين دي
صوتها كان كجرس إنذار اهتز له جسدها و أخذت تستغفر في سرها وهي تحاول إعادة الهاتف مرة أخرى إلى مكانه دون أن تلاحظها بدرية التي اقتربت لضي التي اشتعل جسدها برعشة الخوف لتتفاجئ ببدرية التي التفت لتقف أمامها تناظرها بعينين تحملان شيء يشبه الحنان الذي لم تختبره معها سوى مرات قليلة ولكن لم تنتهي المفاجأت عند هذا الحد فقد مدت بدرية أناملها تمحي العبرات التي تبلل وجهها وهي تقول بنبرة حزينة
البكى ملايجش عليكي و على چمالك يا نچاة.
تفاجئت حين نادتها بهذا الاسم الحقيقي لها و الذي
لم تكن تناديها به مطلقا فقد أطلقت عليها اسم ضي كونه يتناسب مع ملامحها أكثر هكذا أخبرتها
بجالك كتير جوي مجولتيش الاسم ده.. اشمعنى النهاردة!
أغمضت بدرية عينيها لثوان ثم احتجزت بعض الهواء داخل رئتيها قبل أن تقول بنبرة متحشرجة
أول ما چيتي عالدنيا كنتي نچاة لكل اللي حواليكي حتى نفسك وعشان أكده سمناكي نچاة بس لما كبرتي و بچيتي كيف الجمر سميتك ضي.
و ليه مش جمر!
عشان الجمر ضلمه.. بياخد ضيه من الشمس و علشان أكده سميتك ضي.
طافت عيني بدرية على ملامح ضي وهي تحدث لتجيبها الأخيرة بنبرة تتضور حزنا
وليه طفيتيني اكده ليه بعدتيني عن خواتي و اصحابي دانا محستش بطعم الدنيا غير واني جارهم!
ستار من الجفاء كانت تتوارى
في حاچات كتير الأم بتخبيها عن عيالها يا بتي عشان تحميهم و تحافظ عليهم.
و الضرب و الإهانة عشان تحميني و تحافظي عليا بردك!
بدرية بغموض
حتى ده كان عشان خوفي عليكي.
ضاقت ذرعا بكل هذا الغموض الذي يلازم حياتها منذ أن وعت على هذه الدنيا لذا هتفت بانفعال
اني تعبت من حديتك اللي مالوش كماله ده.. تعبت من كل الشك و الأسئلة اللي بتنهش في عجلي و معرفاش ليها أي إچوبة.. جوليلي في ايه أنت مخبية عني ايه اني مين وأنت مين و ايه جصة الوشم اللي عيزاني اخبيه عن الناس كلها والوشم اللي في رچلي اللي معرفاش اية جصته هو كمان و الراچل اللي جلبتي الدنيا لما عرفتي أنه شافه ايه جصته هو راخر
تجاهلت كل هذا الألم المتبلور في عينيها كالشمس في وسط السماء و أيضا هذا السيل من الاستفهامات و قالت بغموض
جوليلي يا ضي ايه رأيك في الراجل ده و تجبلي تتچوزيه و تعيشي معاه ولا لا
لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم
و بعدين يا أسيا هنفضل مش عارفين حاجه عن ضي كدا
هكذا استفهمت غنى بحزن قابلته آسيا بالحنق حين قالت
هتلاقي أم أربعة و أربعين كابسة على نفسها مش هتعرف تطلع الفون ولا تكلمنا..
غنى بتهكم مرير
آسيا هو احنا ليه حظنا كدا
دا اللي هو ازاي يعني
غنى بنبرة تقطر حزنا
أنا واللي حصلي في جوازي و اللعبة اللي اتعملت عليا عشان ابعد عن ياسر و أشجان و أمين اللي حبته و قلبها اختاره و بهدلته فيها و ضي و اللي حصلها قبل ما تيجي هنا و خالتو بدرية و قسوتها عليها و فراقها عننا و شروق اللي اتجرت في حرب كبيرة اوي هي و اختها و دخلت عش الدبابير برجليها و مش عارفين هتخرج منه ازاي ولا هيحصل فيها اي احنا بجد حظنا وحش اوي.
آسيا بتقريع
عشان كلكوا اختارتوا غلط.. أنت كان عندك عقل تفكري بيه وحتى لو اتضحك عليكي في حوار ياسر مكنش مفروض تجري تتخطبي و تتجوزي على طول كدا و أشجان محدش كان مرتاح لأمين دا و هي اللي
كانت مصممة عليه و ضي هانم اللي مستسلمة لأمها و كأنها بتحركها برموت كنترول و الست شروق هانم اللي اختارت تروح المكان المقرف دا بمزاجها.
ناظرتها غنى بصدمة فتابعت آسيا باستهجان
كل واحدة فيكوا كان قدامها الف اختيار وهي اللي اختارت أسوأهم.
دافعت غنى عن نفسها و صديقاتها قائلة
محدش فينا بيعرف الغيب ولا حد كان يتوقع أنه يحصله كدا متبقيش ظالمه يا آسيا.
آسيا بعملية
مش