رواية قاسي حتى الجحيم سليم وجميلة جميع الفصول مكتملة بقلم دعاء حبيب

لمحة نيوز

أسطول من السيارات الفارهة كان بيتحرك بهدوء خلف عربية سودة فخمة ماشية في المقدمة. العربيات كلها كانت حديثة ومصقولة. تلمع تحت ضوء الشمس. كأنها موكب ملكي. الطريق اتفتح قدامهم بدون أي تعطيل. وكل الناس بتبعد لما بيشوفوا الموكب داخل.
لما وصلوا. وقفت العربيات قدام مبنى ضخم شكله فخم وراقي. الواجهة كلها زجاج ورخام. وعليها اسم الشركة محفور بخط ذهبي يلمع العزايزي جروب القابضة.
نزل من العربية اللي في المقدمة راجل ضخم الجثة. طوله مهول. عريض الكتفين. ملامحه قاسية كأنها منحوتة من صخر. عيونه سودة وباردة.. تخوف.
الراجل ده ماكانش أي حد... ده كان سليم العزايزي.
شكله يخض. كأنك بتشوف مصارع محترف خارج من ساحة قتال. لبسه فخم وبسيط في نفس الوقت. بس هالته كانت أقوى من أي ماركة أو ساعة غالية.
دخل المبنى. وخلفه عدد كبير من الحراس ببدل سودة ونظارات شمس. خطواتهم محسوبة. وكل موظف في الشركة كان واقف مرعوب. كأن الموت داخل عليهم شخصيا.
ماهو سليم مش شخص عادي.. ده سليم العزايزي. واحد من أغنى أغنياء العالم. وهيبته تخوف. وعيونه تقول كتير من غير ما يتكلم.
مدير أعماله قرب منه وقال بصوت مهذب فيه نبرة احترام واضحة
اتفضل يا سليم بيه.. كل أعضاء مجلس الإدارة مستنيين حضرتك في قاعة الاجتماعات.
هز سليم راسه بإشارة صغيرة. ومشي للقاعة وهو ساكت. بس سكوته

كان له صوت.
الاجتماع استمر حوالي ٣ ساعات.. لكن لما خرج الأعضاء. كانوا باين عليهم التعب والخوف. ملامحهم كانت شبه المساجين اللي طلعوا من زنزانة بعد تحقيق مرعب. مش من اجتماع إداري.
مدير الأعمال قرب تاني وسأل بحذر
تحب نروح القصر دلوقتي يا سليم بيه.
سليم رد ببرود يجمد الدم في العروق
اطلبلي قهوة.. وجهز الحرس.. إحنا طالعين على القصر.
المدير قال بسرعة
أمرك يا سليم بيه.
سليم العزايزي. رجل أعمال عالمي. ملياردير معروف بقسوته وبروده. ما بيعرفش الرحمة. وما عندوش أصحاب. جسمه كله عضلات متماسكة كأنه بيتمرن كل يوم. عنده ٣٥ سنة. بس الناس بتخاف منه كأنه أقدم من الزمن نفسه.
دخل مكتبه الواسع. قعد لحظات يفكر في صمت. وبعدها دخل عليه مدير أعماله وقال
كل حاجة جاهزة يا سليم بيه.
أشار له سليم بإيده إنه يخرج. وبعدها خرج بنفسه من المكتب. ثم من الشركة كلها. وسط حراسة مشددة. وراها نفس الأسطول الفخم.
بعد حوالي نص ساعة. العربيات وصلت لقصر سليم العزايزي. قصر كبير جدا. تحيط به حديقة خضراء فيها نوافير وتماثيل. وبوابة حديدية عملاقة بتتفتح أوتوماتيكيا. الخدم واقفين في صف. وكلهم في حالة تأهب.
مديرة القصر. ست أنيقة. قالت باهتمام
الغدا جاهز يا سليم بيه.. تحب يتقدملك هنا ولا في الجنينه.
سليم بصوت بارد زي التلج
هنا.
المديرة بسرعة
حاضر.
جلس سليم
على الطاولة. والسكينة ما بين إيديه كانت بتصدر صوت مع كل حركة. وكأنها بتعلن عن غضبه الصامت. فجأة. بان على وشه الضيق.
قال بصوت واطي بس مرعب
مين اللي عمل الأكل ده.
مديرة القصر توترت وقالت
الطباخ يا بيه...
سليم بجفاف وقسوة
يتفصل حالا.
بص حواليه. وكمل بنفس النبرة الباردة
والمكان مش نضيف. واضح إنكم كلكم متراضين.
سادت لحظة صمت قاتل. الخدم اتجمدوا في أماكنهم. محدش قادر يرد أو يتحرك. الصدمة كانت قوية.
وفي مكان تاني...
في حارة بسيطة شعبية. في حي متواضع..
زينب. ست في أواخر الأربعينات. قالت بصوت عالي
يلا يا جميلة.. التاكسي مستنينا تحت!
دخلت زينب أوضة بنتها. لقت جميلة قاعدة على السرير. ودموعها نازلة في صمت.
زينب قربت منها بلطف
مالك يا حبيبتي. ليه بتعيطي كده.
جميلة بصوت مكسور
ياما... مش عايزة أسيب المكان ده.. صحابي كلهم هنا.. وذكرياتي.
زينب حضنتها بحنية وقالت
يا قلب أمك.. إحنا رايحين لمكان أحسن.
المكان اللي هنروحه فيه شغل محترم. والمرتب كويس. هقدر أديكي دروس. وتحققي حلمك.
جميلة بصوت خافت
نفسي أبقى دكتورة...
زينب بابتسامة دافية
وهتبقي إن شاء الله. بس لازم نتحمل شوية. أنا بعمل كده عشانك. عشان مستقبلك.
جميلة مسحت دموعها وقالت
حاضر يا ماما.
نزلوا من العمارة. وكانت الشمس بدأت تغيب. والهوى فيه ريحة وداع.
ركبوا التاكسي. والسواق
لف على العنوان الجديد اللي زينب وصفته.
بعد حوالي نص ساعة. وقف التاكسي قدام بوابة قصر سليم العزايزي.
حارس البوابة قرب وسأل بحدة
رايحين فين.
زينب قالت بهدوء وثقة
جاية للشغل.. مدام دينا عارفة.
الحارس شك وقال
معاكي ورقة تثبتي بيها الكلام ده.
زينب طلعت ورقة من شنطتها وقالت
أيوه يا ابني.. اتفضل.
قرا الحارس الورقة. ونادى على زميله وقال
خدهم وديهم لمدام دينا.. دي اللي جايه تشتغل جديد.
بعد لحظات. مدام دينا. مديرة القصر. فتحت الباب بنفسها..
عينها وقعت على زينب وجميلة. وبصت لهم باهتمام..
مدام دينا بنبرة جادة
أه. عارفاها... اتفضلي إنت.
إزيك يا زينب. عاملة إيه.
بصي. هنا في قوانين صارمة. وصاحب القصر أشد منهم!
ده ممكن يطرد أي حد لأتفه سبب. فاهمة.
من بكرة هتبدأي الشغل.
تعالي أوريكي أوضتك... وهتنامي فين.
زينب بصوت خافت
ماشي... ربنا يستر...
دخلت زينب وجميلة الأوضة اللي هيعيشوا فيها.
كانت أوضة واسعة ونضيفة. أكتر بكتير مما كانوا متخيلين.
انبهروا من جمالها وبساطتها. وبعد ما رتبوا حاجتهم. ناموا في هدوء.
في الصبح بدري
الأم
اصحي يا جميلة... يلا يا حبيبتي. هتتأخري على المدرسة!
جميلة وهي بتفتح عينيها بصعوبة
حاضر يا ماما... صحيت أهو...
الأم
أنا سبتلك فلوس على الكومودينو تفطري بيهم. ماشي.
وخلي بالك من نفسك.
جميلة قامت من على السرير.
وحضنت أمها بكل حب.
جميلة بابتسامة دافية
شكرا على أحلى أم في الدنيا...
الأم بحنان
ربنا
تم نسخ الرابط