عندما قررت أمه أن ترحل مرة أخرى كان تيمكا في الثانية عشرة
عندما قررت أمه أن ترحل مرةً أخرى، كان تيمكا في الثانية عشرة من عمره.
لم تشرح له الكثير، فقط قالت إنها تلقت دعوة للتدريس — لأسابيع قليلة فقط.
طمأنته أن كل شيء سيكون بخير، وأنها ستعود قريبًا، حتى إنه لن يلاحظ غيابها.
لكن عينيها كانتا تتلفتان حولها كقطةٍ تعرف أنها ارتكبت خطأً.
سارا في صمت.
كانت السيارة تهتز فوق الطريق الترابي المتعرج، والغبار يرتفع خلفها في عمودٍ طويل.
كان تيمكا يحدّق من النافذة، ينتظر من أمه أن تقول شيئًا لطيفًا، أن تعده بأنها ستعود، كما كانت تفعل دائمًا.
لكنها بدلًا من ذلك، أوقفت السيارة أمام كوخٍ خشبي قديم وسياجٍ متداعٍ، وأطفأت المحرك.
قالت دون أن تنظر إليه:
“ابقَ هنا قليلًا. سيخرج جدّك الأكبر بعد لحظة.”
سألها:
“وأنتِ؟”
قالت:
“سأرحل… لكن فقط لأسبوعين يا تيموش، صدقني.”
قفزت من السيارة وكأنها لامست نارًا، وركضت نحو البيت.
بعد دقائق، خرج رجلٌ مسن — طويل القامة، نحيل كالعصا، عيناه غائرتان.
كان جدّه الأكبر.
لم يعرفه تيمكا إلا قليلًا، رآه فقط في صورٍ قديمة، وسمع أنه أمضى حياته في القرية يعمل في الأرض.
اقترب الرجل من السيارة ووقف للحظة.
قالت الأم على عجل:
“حسنًا، ميخائيل سافيلييفيتش، سأرحل الآن. سأعود من أجله بعد أسبوعين. فقط راقبه قليلًا…”
ثم أدارت وجهها مبتعدة.
قال الرجل ببرود:
“اذهبي.”
ثم فتح الباب الخلفي ونظر إلى الصبي.
“انزل.”
نزل تيمكا، أمسك بحقيبته، ووقف في العشب المغبرّ.
تحركت السيارة فورًا، مثيرةً سحبًا من الغبار.
لم يتذكر إن كانت أمه قد قبّلته وداعًا.
ربما لا.
كل ما فعَلَته أنها لوّحت بيدها ورحلت.
أما الجدّ الأكبر فاستدار نحو البيت دون أن ينظر خلفه — كأن هذا هو الطبيعي.
في صباحه الأول في القرية، بدأ النهار قبل الفجر.
طرق الجدّ الباب وقال بصوتٍ صارم:
“استيقظ. حان الوقت.”
حاول تيمكا أن يفتح عينيه، لكن الظلام والبرد كانا كثيفين.
غطّى نفسه بالبطانية كدرعٍ واقٍ.
ثم سمع الباب يُغلق
لم يكن أمامه إلا أن ينهض.
غسلا وجهيهما بماءٍ باردٍ من البئر.
أسنانه اصطكت، ويداه تجمدتا.
أما الجدّ فقال بجفاف:
“حين توقظ الجسد — توقظ العقل.”
ثم بدأ العمل: الدجاج، الماعز، الحديقة…
عملٌ تلو الآخر دون توقف.
كان تيمكا يتعثر، يتذمر، يقع، يجرح يديه حتى نزفت.
لكن الرجل العجوز لم يصرخ يومًا.
كان فقط يُريه كيف يُفعل الشيء — مرةً واحدة — وبعدها عليه أن يفهم بنفسه.
في منتصف النهار، حين أحرقت الشمس الأرض، جلس الجدّ على الشرفة يدخّن سيجارةً يلفّها بيده.
قال:
“أنت تفكر الآن، أليس كذلك؟ ما جدوى كل هذا؟
في المدينة هناك تلفاز، وإنترنت، ورسوم متحركة…
وهنا — بقرة ومجرفة.
لا تُفكر. افعل.
الأرض لا تحتمل الحمقى.
الكسل داء — يُفسد الروح.”
تتابعت الأيام.
لم تتصل أمه، ولم تكتب.
في البداية كان ينتظر.
ثم صمت.
في المساء كان يجلس على العتبة الدافئة أمام البيت، ينظر إلى السماء — السماء الريفية الواسعة،
تساءل:
“ماذا لو لم تعد أبدًا؟”
مرةً سأل الجدّ:
“جدي، هل ستعود أمي حقًا؟”
أشعل الرجل سيجارته، ونظر إلى السماء طويلًا، ثم قال بهدوء:
“لا تنتظر. عش.”
علّمه الجدّ الأكبر دون كلمات:
كيف يضع ورقة لسان الحمل على الجرح،
كيف يشعل الموقد دون أن يُدخّن،
كيف يصطاد السمك بيديه من الجدول الجانبي،
كيف يقرأ المطر من رائحة الهواء.
لم يكن يمدحه، ولا يربت على رأسه.
لكن في كل مرةٍ يُتقن فيها تيمكا عملًا ما، كانت تومض شرارة في عينيه — وكان ذلك يكفي.
قويَ تيمكا.
تخشّنت يداه وتصلّبت.
توقف عن الشكوى.
صار يستيقظ من تلقاء نفسه ويغتسل عند البئر.
يستطيع أن يذبح دجاجة، ينظف سمكة، يحمل دلاء الماء وحده.
لم يكن في القرية أعياد ولا هدايا،
لكن كل صباح كان يشبه بداية شيءٍ حقيقي،
وكل صمتٍ في المساء كان يشبه صلاةً صغيرة
بعد شهرين وصل الخطاب.
ظرفٌ أصفر باهت، بخطٍ مهتز.
قرأ الجدّ الرسالة
قال:
“أمكِ في المستشفى. أعصابها، كما يقولون. لن تنهض قريبًا.”
خفض تيمكا رأسه، وانقبض حلقه.