كل الممرضات اللواتي اعتنوا بمريض في غيبوبة لأكثر من 10 سنوات بدأن يحملن واحدة تلو الأخرى
الغرفة 208 والدهشة تمزق عقله.
ريكاردو الذي لم يتحرك منذ عشر سنوات فتح عينيه ببطء ونظر إليه نظرة غريبة فيها وعي عميق وهدوء مرعب.
ثم قال بصوت خافت
كنت أسمعكم جميعا... كل يوم.
اقترب منه الطبيب وهمس
أسمعنا! كيف...
ابتسم ريكاردو وقال
كنت أحلم بالضوء وبأصواتهن. لم أنم حقا يا دكتور... كنت أنتظر اللحظة التي أستيقظ فيها لأتحمل ما فعلوه بي وما فعلته أنا بهن.
بعد أسابيع من تعافيه طلب ريكاردو لقاء الممرضات اللواتي اعتنين به.
كلهن حضرن ووجوههن تحمل خليطا من الخوف والحنين كل واحدة منهن تحمل طفلا صغيرا يشبهه بطريقة ما.
وقف ريكاردو أمامهن ملامحه شاحبة لكنها هادئة وقال
لست بريئا... ولا مذنبا تماما. ما حدث كان خطأ بشريا لكن نتائجه بشر حقيقيون أطفال دماؤهم مني.
لهذا... لا أريد أن أهرب. أريد أن أتحمل مسؤولية كل حياة خلقت من خطئي.
نظر في عيونهم جميعا ثم
سأرتبط بكل واحدة منكن رسميا ليس من أجل الصورة أو العادة بل لأضمن أن لا أحد منكن أو من أبنائنا يعيش منبوذا.
ساد صمت طويل ثم أكمل قائلا
كل ما حدث كان رسالة خفية من القدر تقول
حتى من داخل الخطأ يمكن أن تولد حياة...
وحياة تستحق أن تعاش.
مر عام على استيقاظ ريكاردو من غيبوبته
عام مليء بالأحداث أكثر من السنوات العشر التي قضاها نائما.
في صباح مشمس استيقظ على صوت مألوف يصرخ من المطبخ
من الذي وضع السكر بدل الملح في الحساء!
ثم لحقها صوت آخر من الغرفة المجاورة
جيسيكا لا تتدخلي! أنت دائما تتهمينني!
تنهد ريكاردو وهو يضع وسادته على وجهه قائلا في نفسه
كنت في غيبوبة لكن يبدو أن الهدوء الحقيقي كان هناك!
نهض من السرير بخطوات متثاقلة ووجد الأطفال يركضون في أرجاء المنزل الكبير
كل واحد منهم يحمل جزءا من ملامحه وجزءا من جنون أمه.
في الممر اصطدم بأحدهم
لا تقلق يا أبي أمي تقول إنك السبب في كل شيء منذ البداية!
ابتسم ريكاردو وقال وهو يربت على رأسه
يبدو أن أمه على حق هذه المرة.
دخل المطبخ فوجد الممرضات زوجاته الآن يقفن في صف واحد أمام الموقد
كل واحدة منهن تصر على أن وصفتها هي الأصح وأن الأخريات لا يفقهن شيئا في الطهو.
قال وهو يرفع يديه مستسلما
أيا يكن فقط دعنني أتناول فطوري قبل أن أعود إلى الغيبوبة مجددا!
ساد الصمت لثوان ثم انفجر الجميع بالضحك.
كانت تلك اللحظات اليومية تمزج بين الفوضى والعاطفة بين الشجار والضحك
لكنها كانت تجعلهم يشعرون أنهم أخيرا عائلة حقيقية
رغم غرابة الظروف التي جمعتهم.
في المساء جلس ريكاردو على الشرفة ومعه الطبيب إيمانويل الذي أصبح صديقه الأقرب.
سأله الأخير مبتسما
كيف تعيش مع خمس زوجات وأطفال لا يعدون
ضحك ريكاردو وقال
الأمر بسيط
أكتب على كل باب اسم الزوجة وجدول المناوبة الأسبوعي!
ثم أضاف وهو يرفع فنجان القهوة
الحقيقة أن كل واحدة منهن تشبه فصلا مختلفا من حياتي.
جيسيكا صاخبة كالصباح ماريا هادئة كالمساء
إلين حازمة كالمطر سارة مرهفة كالموسيقى ولينا لا تشبه أحدا سوى نفسها.
معهن تعلمت أن الحياة ليست عن الكمال بل عن المحاولة المستمرة للانسجام.
ابتسم إيمانويل وقال ممازحا
يبدو أنك نجوت من الغيبوبة لتدخل مغامرة أشد خطرا!
ضحك ريكاردو بصوت عال وقال
على الأقل هذه المرة أستطيع اختيار نهايتي.
وفي آخر الليل عندما خيم الهدوء أخيرا على البيت
جلس يكتب في دفتره القديم
الغيبوبة الحقيقية لم تكن نوم الجسد
بل غفلة القلب عن معنى المشاركة.
أنا الآن مستيقظ تماما حتى وسط هذه الفوضى الجميلة.
ثم أغلق الدفتر وألقى نظرة على الغرفة التي غمرها ضوء القمر حيث نام
ثم ابتسم وقال بهدوء
الحمد لله على الضجيج إنه علامة الحياة.