زوجة الابن التي ورثت ما لا يكتب في الوصية

لمحة نيوز

زوجة الابن التي ورثت ما لا يكتب في الوصية
كانت يداي ترتجفان وأنا أفتح الظرف ببطء حتى أن الشمع الأحمر تصدع تحت أصابعي وترك أثرا على أظافري. شعرت أن الغرفة تضيق بي شيئا فشيئا وكأن الجدران تتنفس معي في ذلك الصمت الثقيل. 
تسلل الضوء من النافذة وانعكس على الورقة القديمة فظهرت الحروف بخط مرتعش غير منتظم لكنه مألوف لقلبي.
كانت حماتي دونا إيزابيل قد كتبتها بخط يدها قبل رحيلها.
مددت الورقة أمامي وجلست على الأرض الطينية الباردة وبدأت أقرأ
إيلينا يا ابنتي
أعلم أنك من ستجدين هذه الرسالة لأن الله لا يضيع قلبا صادقا.
أكتب إليك ويدي ترتجف لا لأن المرض أنهكني بل لأن الندم يملأ صدري.
قضيت سنواتي الأخيرة بين يديك ورأيت فيك ما لم أره في بناتي لكن كبريائي منعني من قول الحقيقة.
كنت أخشى أن أبدو ضعيفة وظننت أن الأمومة تمنحني الحق في الحكم على الناس ولم أدرك أن الله وضعك في طريقي ليعلمني

أن الدم لا يخلق الوفاء... بل القلب.
توقفت للحظة. حجبت الدموع رؤيتي للكلمات فمسحتها بطرف عباءتي السوداء وأكملت القراءة
يا ابنتي
أتذكرين تلك الليلة التي قضيتها بجانبي وأنا أرتجف من الحمى لم تنامي دقيقة واحدة.
كنت تضعين كمادات الماء على جبيني وتهمسين لي بأدعية جدتك.
ظننت حينها أنك تفعلين ذلك بدافع الواجب لكن الآن وأنا أودع الدنيا أدرك أن ما بيننا كان حبا من نوع آخر
حبا لا يحتاج إلى نسب ولا ورق.
كنت تخافين علي أكثر من بناتي كنت ترين ضعفي حين أخفيه وتبتسمين كي لا أشعر بالشفقة.
سامحيني إن قسوت عليك وسامحيني إن حملتك ما لا يحتمل.
كنت أما لي في أيامي الأخيرة ولو عاد بي الزمن لجعلتك ابنتي بحق.
تساقطت الدموع على الورقة حتى تبللت أطرافها.
كنت أقرأ بصوت مرتعش وقلبي يخفق كأنه يسمع كلماتها للمرة الأولى... وجها لوجه.
إيلينا
ربما تتساءلين لماذا لم أذكرك في وصيتي الرسمية
لكني أردت أن يكون
ما تركته لك سرا بيني وبينك... بلا شهود ولا طمع من أحد.
خلف الصندوق الخشبي الصغير أسفل السرير هناك علبة من القماش الأزرق فيها أوراق تحويل قطعة الأرض الصغيرة باسمك ومعها دفتر الحساب البنكي الذي احتفظت به بعيدا عن أعين أولادي.
لم أترك لك ما يعادل تعبك لكني أترك لك رمز شكري واعتذاري.
استخدمي هذا المال لتكملي حلمك وافتحي المتجر الذي كنت تحدثينني عنه في ليالينا الطويلة.
اجعليه مكانا للحياة واذكريني فيه بالخير لا بالحزن.
وإن قرأت هذه الرسالة بعد موتي فلا تبكي كثيرا...
فقد أراحني الله حين جعلني أكتبها قبل فوات الأوان.
كانت الكلمات تنهش قلبي واحدة تلو الأخرى.
لم أعد أرى الورقة من الدموع فضممتها إلى صدري وشعرت كأن روحها لا تزال هنا تحت السقف ذاته تراقبني وتبتسم.
نظرت نحو السرير الخشبي الذي غسلت تحته الأرض مئات المرات ونهضت ببطء.
دفعت الصندوق القديم الذي كانت تحتفظ فيه بذكرياتها ووجدت
شيئا يلمع خلفه.
مددت يدي وأنا ألهث فإذا بالعلبة الزرقاء ملفوفة بخيط ذهبي بسيط تفوح منها رائحة اللافندر التي كانت تحبها.
فتحتها... ووجدت الأوراق التي تحدثت عنها.
لم أصدق عيني كانت هناك شهادة الملكية مكتوبة باسمي بالكامل وختم البنك على دفتر صغير يحمل مبلغا لم أكن لأتخيله.
وبين تلك الأوراق وجدت منديلا مطرزا بخيوط فضية كتب عليه بخط يدها المرتبك
لابنتي التي لم ألدها.
انهرت باكية.
ليس لأنها رحلت بل لأنها أخيرا عرفت من أكون
لم أعد أرى أمامي شيئا سوى وجوه الليالي التي سهرتها بجانبها أنفاسها المتقطعة وكلماتها التي كنت أظنها قاسية وهي في الحقيقة كانت تستر ضعفها.
دخل دييغو الغرفة على صوت بكائي فوجدني جالسة على الأرض والعلبة بين يدي. اقترب مني بخطوات بطيئة وجلس إلى جواري من دون أن ينطق بكلمة.
بقي صامتا كأننا نستمع معا إلى روحها التي لا تزال تهمس في المكان.
بعد دقائق طويلة قال بصوت مبحوح
كنت
دائما تقولين إنها لم تترك لنا شيئا لكنها
تم نسخ الرابط