زوجة الابن التي ورثت ما لا يكتب في الوصية
تركت لك كل شيء حتى حبها.
في الأيام التالية تغير كل شيء في حياتي.
نظرت إلى الغرفة التي قضت فيها آخر أيامها وقررت ألا تبقى مجرد ذكرى للألم. أعدت ترتيبها كما كانت نظيفة تعبق برائحة الزهور. علقت صورتها على الجدار ووضعت تحتها المنديل المطرز.
كل صباح كنت أفتح النوافذ فتدخل الشمس لتلامس السرير الخشبي كأنها تزورنا من جديد.
أما الأرض الصغيرة التي تركتها لي فذهبت إليها في صباح باكر أحمل في يدي حفنة من تراب البيت لأضعها هناك.
كانت قطعة الأرض خلف القرية يمر بها نهر صغير وتحيطها أشجار الصبار والماجي.
لمست التراب بيدي وشعرت بالسلام. غرزت أول شتلة وقلت بهدوء
هذه لك يا أمي.
بمساعدة دييغو بدأنا نزرع الأرض ونبيع ما نحصل عليه من محاصيل صغيرة. ومع مرور الوقت وبالمال الذي
كان متجرا صغيرا في زاوية السوق تملؤه الحرف اليدوية الخشبية والتماثيل المنحوتة من جذوع الأشجار. علقت لوحة صغيرة عند الباب كتب عليها بخط جميل
متجر دونا إيزابيل للأعمال اليدوية.
لم يكن مجرد متجر بل بيتا لذكراها ومكانا أشعر فيه أنها لم ترحل.
صار الناس يأتون من القرى المجاورة يشترون التحف التي أنحتها بيدي. كنت أقف خلف الطاولة الخشبية نفسها التي صنعها لي دييغو وأتحدث مع الزبائن بابتسامة هادئة.
في كل قطعة كنت أضع شيئا من روحها كأن كل تمثال خشبي يحمل قصة من قصصها أو ذكرى من لياليها الطويلة.
مرت السنوات وبدأت غابرييلا وصوفيا تزوران البيت أكثر فأكثر.
في البداية كنت أتحفظ لكني لاحظت تغيرا في تصرفاتهما
كانتا تأتيان بهدوء
لم أكرههما رغم كل شيء ربما احتاجتا أن تفقدا أمهما ليشعرا بما كنت أشعر به يوما.
لم أخبرهما عن الرسالة ولا عن الأرض ولا عن المال تركت الأمر بيني وبين الله.
كل ما أردته أن يعرفا أني لم أطلب يوما سوى كلمة شكرا وقد وصلتني متأخرة لكنها جاءت من القلب.
في إحدى الليالي جلست في فناء المنزل تحت شجرة الجهنمية أحتسي كوبا من الأتول الساخن وقلبي دافئ رغم برودة الهواء.
رفعت رأسي نحو السماء وقلت بصوت خافت
أمي سامحتك وغفرت لك واشتقت إليك.
شعرت بنسمة تمر على وجهي كأنها لمسة منها
وسمعت رنين الجرس البعيد لكن هذه المرة لم يكن من كنيسة سانتو دومينغو
بل من داخلي جرس سلامي الداخلي الذي عاد بعد
مرت الأيام وصار المتجر مزدهرا يأتيه الناس والسياح من كل مكان.
وكل من يسألني عن سر الاسم كنت أجيبه بابتسامة
على اسم امرأة علمتني أن الأمومة ليست ولادة بل رعاية
وأن الوفاء لا يكتب في الوصايا بل يزرع في القلوب.
وفي إحدى الأمسيات حين مالت الشمس نحو الغروب
وقفت أمام الباب الخشبي الصغير للمتجر ونظرت إلى الأفق المتلون بلون الذهب.
تذكرت كل شيء بداية الطريق الجهد السهر الدموع والرسالة التي غيرت حياتي.
أمسكت بالمنديل المطرز بين يدي وضممته إلى صدري وقلت في سري
نامي بسلام يا أمي تركت لي أكثر مما يتركه المال أو الإرث تركت لي معنى الحياة.
ثم دخلت المتجر وأغلقت الباب
بينما كان الضوء الذهبي الأخير يتسلل من بين ألواح الخشب
يمر على صورتها المعلقة