سيدي هذا الصبي عاش معي في الميتم قالتها عاملة التنظيف مذهولة وهي تحدق في الصورة المعلّقة داخل القصر العتيق
سيدي! هذا الصبي عاش معي في الميتم!
قالتها عاملة التنظيف مذهولة وهي تحدق في الصورة المعلقة داخل القصر العتيق.
لم ينطق آرثر بكلمة فقط وقف مشدوها أمام اللوحة القديمة التي تتوسط الجدار الكبير والدهشة تذيب ملامحه شيئا فشيئا.
كان الضوء القادم من النافذة يرتجف فوق وجه الطفل في الصورة كأن الزمن نفسه يحاول إيقاظه من سباته الطويل. شعر أن الأرض انسحبت من تحته وأن الهواء صار أثقل من أن يستنشق. ملامح ذلك الصبي لم تكن غريبة عليه كانت نسخة طبق الأصل من وجه أخيه لوكاس الذي اختفى منذ أكثر من ثلاثين عاما.
اقترب بخطوات بطيئة مد يده ليلمس إطار اللوحة لكن أصابعه ارتجفت. همس لنفسه بصوت مبحوح
لا يمكن هذا مستحيل.
وراءه كانت كلارا عاملة التنظيف التي لم يمض على عملها في القصر سوى أسبوعين تقف شاحبة الوجه والدموع تملأ عينيها. قالت بصوت واهن بالكاد يسمع
كنت أعرفه باسم دانيال يا سيدي عاش معي في الميتم حتى بلغ الرابعة عشرة.
التفت إليها آرثر ببطء والذهول
عاش معك في الميتم ماذا تقولين
تنهدت كلارا كأنها تفرغ سرا أثقل قلبها لسنوات
كان يقول دائما إنه أخذ من عائلة غنية وإن عنده أخا أكبر كان يناديه بطلي الصغير. لكن لم يصدقه أحد ظنوه طفلا يختلق القصص. كنت أراه أحيانا يبكي في الليل ممسكا برسمة صغيرة لبيت وحديقة وبيانو كان يرسم البيانو دائما لا أعرف لماذا.
غاص آرثر في صمت عميق وشعر أن الجدار الذي بناه حول قلبه طوال سنوات المجد بدأ يتصدع. قال أخيرا بصوت خافت
دانيال إذا كان هو فذلك يعني أنه لوكاس.
هزت كلارا رأسها والدموع تنهمر
نعم يا سيدي. أنا متأكدة. لم أنس وجهه يوما ولا تلك الابتسامة الهادئة إنه هو نفس العينين نفس الشعر نفس البراءة.
جلس آرثر على أقرب مقعد ودفن وجهه بين يديه. الصور التي حاول نسيانها منذ الطفولة عادت تهاجمه بكل قوتها صوت أمه وهي تصرخ يوم اختفاء لوكاس رائحة العطر التي كانت تعبق في الممرات صورة والده وهو ينهار أمام رجال الشرطة.
كان عمره ثماني سنوات فقط حين خطف
ماتت الأم بالحسرة وغرق الأب في العمل حتى ذبلت روحه وبقي هو وحيدا يحمل وعدا لم يخلفه يوما
سأجدك يا لوكاس يوما ما.
في اليوم التالي لم يستطع آرثر الانتظار. استدعى محققا خاصا وأخذ كلارا معه إلى الميتم الذي تحدثت عنه ميتم سان فيسنتي.
هناك استقبلتهما الأخت مادلينا امرأة مسنة ذات وجه طيب وعينين يسكنهما الحنين. ما إن رأت الصورة حتى وضعت يدها على صدرها وقالت بذهول
يا إلهي هذا دانيال! الصبي الذي كان يرسم طوال الوقت! لم أنسه قط.
بدأت الحكاية تتضح شيئا فشيئا.
دخل دانيال الميتم وهو في السادسة من عمره أحضرته امرأة قالت إنها عاملة اجتماعية بعد وفاة والديه بالتبني في حادث سير. كانت أوراقه كاملة باسم جديد وسجلاته تؤكد أنه يتيم بلا أقارب.
لكن الأخت مادلينا تذكرت أمرا غريبا
كان يتحدث أحيانا عن بيت كبير وحديقة وبيانو وكان يقول إن عنده أخا وعده أن يعود ليأخذه. صدقني يا سيدي لم أظنه
تجمد آرثر مكانه. حين فتح الملف القديم اكتشف أن تاريخ دخول الصبي إلى الميتم يطابق تماما اليوم الذي أغلقت فيه الشرطة ملف اختفاء لوكاس.
لم تكن صدفة كانت الحقيقة واضحة وموجعة.
سأل الأخت مادلينا
هل ترك شيئا قبل أن يرحل
أخرجت من درج خشبي ملفا قديما بدا لونه مصفرا بفعل السنين.
في داخله ورقة صغيرة عليها رسم طفلين يقفان أمام بيت فيه بيانو وتحته بخط طفولي مرتجف
أنا لوكاس مينيزيس سيجدني أخي يوما ما.
حين قرأ آرثر الجملة انهمرت دموعه لأول مرة منذ عقود. ضم الورقة إلى صدره وهمس
وجدتك يا لوكاس أخيرا وجدتك.
لكن سؤالا ظل يلاحقه أين هو الآن
بمساعدة المحقق بدأ رحلة البحث الطويلة. تتبعوا السجلات والملاجئ القديمة حتى وجدوا أثرا باسم دانيال لوكاس مينيزيس مسجلا في مأوى بعد أن وجد مصابا على الطريق وهو في السابعة عشرة ثم اختفى مجددا.
ضاعت سنوات من عمره بين أسماء مزيفة ووثائق مقلدة كأن القدر أراد أن يختبر صبر الأخ الأخير.
مرت أسابيع من البحث المضني قبل أن