عدت من رحلتي قبل الموعد بيوم واحد فوجدت ابنتي ذات التسع سنوات وحيدة على يديها وركبتيها
أشرت إلى ليلي التي كانت تقف خلفي ممسكة بيدي الصغيرة، وقلت:
"هل تبدو لك بخير؟ أنظر إلى يديها... هذه آثار عقابكم (البريء)."
سادت لحظة صمتٍ ثقيل.
أخذت نفسًا عميقًا ثم جلست على الكرسي المقابل لهم.
وضعت حقيبتي على الطاولة، وأخرجت منها الهاتف، ثم عرضت الصورة المنشورة على “فيسبوك”.
"بينما ابنتي تنظّف الأرض وتبكي، كنتم تحتفلون بحفيدتكم المفضّلة.
من الآن، لن تلمسوا ابنتي، ولن تُقرّروا عنها شيئًا."
تقدّم زوجي خطوة، حاول تهدئتي:
– حبيبتي، أمي لم تقصد، هي فقط...
نظرت إليه بعينين جامدتين وقلت:
"أمك لم تقصد؟ أم أنت لم تجرؤ؟"
كأن الهواء في الغرفة صار أثقل.
رفعت حماتي رأسها لتتحدث، لكنني رفعت يديها إشارة للصمت.
صوتي خرج هادئًا، لكنه أشد قسوة من الصراخ:
"كلكم كنتم تعلمون أن معاملتها تختلف عن غيرها.
كنتم تضحكون حين تنادونها الحفيدة بالتبني، وكنتم تعتبرون ذلك مزاحًا.
لكنها سمعت. كل مرة سمعت.
وهذه المرة الأخيرة."
نظرت إلى ليلي وقلت بلطفٍ حازم:
"اذهبي إلى السيارة يا حبيبتي."
حين خرجت، نظرت إليهم جميعًا وقلت بنبرةٍ
"اعتبروا هذه الزيارة وداعًا. لن أسمح لأحد أن يعلّم ابنتي أنها أقل من غيرها.
سأنتقل بعيدًا، وسأطلب الطلاق. لا أريد اعتذارًا، ولا تبريرًا. انتهى الأمر."
وقفت، رفعت حقيبتي، ومضيت نحو الباب بخطواتٍ ثابتة.
وحين أغلقت الباب خلفي، شعرتُ لأول مرة منذ زمنٍ طويل أن الهواء الذي أتنفّسه... لي وحدي.
خرجت من البيت، وخلفي صدى الباب وهو يُغلق كأنّه يسدل الستار على حياةٍ كاملة.
الهواء البارد لفح وجهي، لكني شعرتُ بحرارةٍ غريبة تسري في صدري. كانت يدي تمسك بيد ليلي الصغيرة، تسير بجانبي دون كلمة، ترفع رأسها بين حينٍ وآخر كأنها تريد أن تتأكد أني لن أختفي مثلما اختفوا هم عنها بالأمس.
فتحنا باب السيارة. جلست هي في المقعد الخلفي، وعيناها الواسعتان تتبعانني وأنا أضع الحقيبة بجواري. لم أقل شيئًا. كانت هناك ألف جملة في رأسي، لكن الصمت بدا أصدق من كل شيء.
حين أدرت المحرك، سمعت صوت خطواتٍ مسرعة خلفي. التفتُّ، فرأيته قادمًا.
زوجي. وجهه شاحب، وعيناه مضطربتان كمن أدرك الكارثة بعد فوات الأوان.
وقف أمام السيارة، ورفع يده
ترددت للحظة، ثم أغلقت المحرك وخرجت.
اقترب مني بخطواتٍ متعثرة، وصوته مبحوح:
– اسمعيني، أرجوكِ. دعيني أشرح.
نظرت إليه بصمت، ولم أتحرك.
تابع وهو يمرر يده في شعره بتوترٍ واضح:
– لم أكن أعلم أن الأمر سيصل إلى هذا الحد. أمي... كانت تظن أنها تؤدبها فقط. أنا كنت في العمل، لم أكن—
قاطعته ببرودٍ حزين:
"أنت كنت دائمًا في العمل. حين كانت تبكي لأنهم تجاهلوها في عيد ميلادها، كنت في العمل.
حين قالت إنهم لا يحبونها، كنت في العمل.
واليوم، عندما احتاجت أحدًا يحميها، كنت أيضًا في العمل."
أخفض رأسه، وصمت لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوتٍ متهدّج:
– لم أقصد أن أكون أبًا سيئًا. أقسم لك، لم أقصد.
نظرت إليه، وفي داخلي شيء يتكسّر ببطء. كان جزءًا منّي يريد أن يصدّق، وجزءًا آخر يعرف أن الندم لا يُصلح ما انكسر في الطفلة التي مسحت الأرض بيديها وهي تبكي.
قلت بهدوءٍ موجع:
"النية لا تهم يا سامر، الأفعال هي التي تترك الندوب. ابنتك لم تعد تثق بأحد. وأنا أيضًا."
اقترب خطوة، مدّ يده كأنه يريد أن يلمسني، ثم توقّف.
قال بصوتٍ خافتٍ يختنق بالدموع:
– أنا آسف، حقًا آسف. لا أستحقكما، لكن أرجوكِ لا ترحلي.
تراجعت خطوة إلى الوراء، وعيناي تتأملان ملامحه التي أعرفها منذ عشرة أعوام، لكنها بدت غريبة هذه المرة — وجه رجلٍ رأى الحقيقة متأخرًا.
"أحيانًا، يا سامر، الندم هو أقسى أنواع العقاب."
استدرت نحو السيارة، فتحت الباب وجلست خلف المقود.
وقبل أن أدر المحرك، التفتُّ نحوه للمرة الأخيرة وقلت:
"اعتنِ بنفسك. وأخبر والدتك... أن ليلي لن تزورها مجددًا."
تحركت السيارة ببطء، بينما كان واقفًا في مكانه، يحدّق فينا بعينين فارغتين.
من المرآة الخلفية رأيته يرفع يده كأنه يريد أن يقول شيئًا، ثم يسقطها في عجزٍ تام.
على الطريق، وضعت ليلي رأسها على المقعد وقالت بصوتٍ واهٍ:
– ماما، إحنا رايحين فين؟
نظرت إليها في المرآة وابتسمت بخفة:
"لمكانٍ نبدأ فيه من جديد، يا حبيبتي."
وفي تلك اللحظة، أدركت أن كل ما مضى كان ضروريًا لأتعلم أن الحب لا يعني البقاء... بل الحماية.
يا طفلةَ القلبِ، لا تبكي على زمنٍ
خانَ الحنانَ، وأطفأَ النورَ في المقلِ
سنزرعُ
لا يُهدمُ البيتُ فيها... بالأسى والخذلِ