لقد مازحتني عائلة خطيبي بكل أنواع اللغات في عشاءهم العائلي
لقد مازحتني عائلة خطيبي بكل أنواع اللغات في عشاءهم العائلي
ملأ رنين كؤوس النبيذ وهمسات الضيوف الهادئة الفناء الخلفي لعقار آل باركر القابع على تلال ويستبريدج الهادئة في ماساتشوستس.
كانت الأضواء المعلقة بين أشجار البلوط تتلألأ في المساء مثل نجوم حقيقية والنسيم يحمل رائحة اللافندر الممزوجة بدخان الشموع الطويلة.
وقفت عند طاولة البوفيه أتحسس طرف فستاني الزهري البسيط وشعري مربوط على هيئة ذيل حصان منخفض. كانت تلك أول مرة أجلس فيها معهم على مائدة واحدة وأول مرة أرى كيف تبدو الطبقات الراقية عندما تبتسم بوجهك وهي تخفي في عيونها شيئا آخر تماما.
كنت أظن أنني مستعدة... لكن لم أكن أعرف أن هذا العشاء سيكون أول اختبار حقيقي لي معهم.
ابتسمت السيدة باركر امرأة خمسينية بشعر بلون اللؤلؤ وصوت ناعم كالمخمل لكنه يجرح من الداخل. قالت وهي تميل برأسها قليلا
عزيزتي تبدين... مرتاحة. معظم الفتيات يفضلن شيئا أكثر فخامة في مثل هذه الأمسيات لكنني معجبة بثقتك.
قلت بابتسامة حقيقية
أشكرك سيدتي أحب أن أكون على طبيعتي دائما.
قهقه رايان بخفة وهو يمسك بيدي أمام الجميع
لا بأس يا أمي هي تظن أن كل مأدبة عشاء مثل حفل ملكي.
ضحكوا وأنا شاركتهم الضحك لكن في قلبي شيء انكمش ببطء.
لم يكن في ضحكاتهم دفء كانت كأنها تصفيق بارد لشخص غريب دخل مسرحهم بلا دعوة.
كنت ألاحظ كل شيء طريقة رفع الحواجب نظرات التقييم الهمسات الخفية.
كل شيء فيهم يصرخ بأنني لا أنتمي.
كانت الطاولة تمتد بطول الفناء تلمع أدواتها الفضية تحت الأضواء والحديث يدور حول البورصة والسفر ونوادي الغولف وكأن العالم كله لا يحتوي على شيء سوى الرفاهية.
كان رايان يتحدث بفخر عن صفقة شركته الأخيرة والسيد باركر يقاطع بين الحين والآخر بملاحظات عن السوق العقاري.
أما أنا فكنت أستمع في صمت أراقب التفاصيل الصغيرة التي تكشف أكثر مما يقال.
وعندما ابتعد رايان قليلا ليستقبل أحد الضيوف تغير كل شيء فجأة.
بدأت النبرات الناعمة تتبدل والهمسات تخرج من تحت السجادة المخملية للحديث الراقي.
سمعت السيدة باركر تهمس بالإسبانية إلى أختها
انظري إليها... تبدو كفتاة من الريف.
ضحكت أختها وهي ترد بالإسبانية أيضا
ربما جاءت تبحث عن بطاقة خضراء... أو عن حساب بنكي أكبر.
عبر الطاولة قال أحد شركاء رايان بالعربية لزميله وهو يرمقني بابتسامة جانبية
لا شيء مميز فيها... مجرد فتاة عادية.
وفي الزاوية البعيدة همست ابنة العم نصف الآسيوية لجارتها بالصينية وهي تضحك
她看起来像是来服务的不是来吃饭的 تبدو وكأنها جاءت لتخدمنا لا لتتناول العشاء معنا.
كلماتهم كانت تسقط على أذني كحجارة صغيرة باردة وثقيلة لكن وجهي ظل هادئا كالماء الساكن.
وضعت المنديل على حجري بهدوء وقلت لنفسي
ظنوا أنني لا أفهم. ظنوا أن صمتي ضعف وأن البساطة جهل.
مرت لحظات من الصمت المزعج قبل أن يعود رايان مبتسما كعادته يسأل
هل كل شيء بخير
ردت والدته وهي ترشف من كأسها
ممتاز يا عزيزي كنا فقط نتحدث مع خطيبتك... تبدين مثيرة للاهتمام يا عزيزتي بماذا تعملين
قلت ببساطة
أدرس اللغويات والتواصل العالمي في جامعة ويستبريدج.
نظرت إليها وهي ترفع حاجبها بتعجب
لغويات كم هذا... لطيف.
ضحك رايان بخفة
في الحقيقة إليزا تتحدث أكثر من خمس لغات بطلاقة.
نظرت إليهم جميعا وابتسمت بهدوء
أحيانا اللغة مش بس كلمات دي احترام.
تجمدت ابتساماتهم لحظة وكأن شيئا خفيا تغير في الجو.
ثم رفعت كأسي ببطء وقلت
إذا سمحتم أحب أقدم نفسي بطريقة تناسب الجميع هنا.
ساد صمت عميق حتى صوت الحشرات اختفى كأنه ينتظر ما سأقوله.
بدأت بالإسبانية بصوت ثابت وواثق
Fue un placer conocerlos. La ropa puede ser sencilla pero la educación no se mide por la tela.
سررت بلقائكم قد يكون اللبس بسيطا لكن التربية لا تقاس بالقماش.
ثم نظرت إلى الجهة الأخرى وقلت بالعربية
شكرا على الترحيب وأتمنى تكون محادثاتنا القادمة أغنى من المظاهر.
ثم التفت إلى ابنة العم وقلت بالصينية بابتسامة ناعمة
顺便说一句我在北京住过两年如果你要嘲笑别人至少要确保他们听不懂
بالمناسبة عشت في بكين عامين فإذا أردت السخرية من أحد تأكدي أولا أنه لا يفهمك.
اختنق الهواء في المكان كأن أحدهم سحب الأكسجين من المائدة.
بعضهم تبسم بارتباك وآخرون أنزلوا أعينهم عني.
أما السيدة باركر فكان وجهها شاحبا كحبات اللؤلؤ حول عنقها.
قال رايان بصوت متحشرج
إليزا.
أجبته بابتسامة دافئة
سبع في الواقع لكن الأدب عالمي مش كده
وقفت ببطء وضعت المنديل بجانبي وقلت له بهدوء
شكرا على الدعوة يا رايان... أظن إن دا العشاء الأخير ليا هنا.
إليزا استني...
التفت نحوه وقلت بلطف
اتصل بيا بكرة لو حبيت تتكلم... بلغة الاحترام.
غادرت المائدة وسط صمت ثقيل خطواتي على الحصى كانت الصوت الوحيد في تلك الليلة.
وحين وصلت إلى سيارتي تنفست الهواء البارد كأنه أول نفس حر في عمري.
ضحكت لا سخرية... بل راحة.
ضحكت لأنني أدركت شيئا بسيطا جدا
الناس لا تكشف حقيقتها في الأزمات بل في الولائم.
الهدوء الذي انتصر
في منتصف الطريق رن هاتفي.
كانت رسالة من أبي.
الأب كيف كان العشاء مع عائلة باركر
أنا ممتع... بطريقتهم الخاصة.
الأب هل عرفوا من تكونين حقا
أنا أخيرا نعم.
مرت دقيقة من الصمت ثم وصلت رسالة أخرى
الأب حسنا. سمعت أن شركتهم تحاول شراء قطعة أرض بجوار أحواضنا. ربما سيفكرون مرتين الآن.
ابتسمت وأنا أتنفس بعمق.
كنت أعلم أن والدي لا يرى الأمور كدراما عائلية بل كخطة شطرنج جديدة.
هو لا يغضب... هو ينتظر الدور الصحيح ليحرك قطعه.
في صباح اليوم التالي كان رايان يقف أمام باب شقتي يحمل باقة من زهور التوليب البيضاء تلك الزهور التي يعرف العالم كله أنها لغة الاعتذار.
قال وهو يمدها نحوي
إليزا أرجوك صدقيني لم أكن أعرف ما قالوه. أقسم أنني لم أسمع شيئا.
أجبته وأنا أفتح
أعلم رايان. لم أظنك مثلهم.
جلس بصمت ثم قال
إنهم... فخورون جدا.