المرأة التي دفعت إلى البحر فعادت تحمل الحقيقة
المرأة التي دفعت إلى البحر فعادت تحمل الحقيقة
كانت واقفة أمامهما كأنها عادت من أعماق البحر الماء يقطر من أطراف شعرها الأبيض على الرخام فيرسم خيطا باردا يشق الصالة كجرح صامت حتى وصل إلى قدمي مارك وفانيسا.
عينان تبرقان بشرر لا هو غضب محض ولا عفو كامل بل مزيج غامض يشبه الحكم بعد المداولة.
لم تتكلم أولا. تركت للصمت أن يتكفل بالدهشة التي عجز الكلام عن حملها. كان الصمت ثقيلا حتى كاد الهواء يتجمد بين جدران المكان.
ثم قالت بصوت هادئ كمن يقرأ سطرا من وصية قديمة
من يدفع أمه إلى البحر ينسى أن البحر لا يحتفظ إلا بما يشتهي وأن العدالة كثيرا ما تعود مع الموج.
تراجع مارك خطوة إلى الوراء دون وعي وارتجفت أنفاس فانيسا وهي تبتلع ريقها وتنظر نحو الباب كمن يبحث عن تفسير عقلاني لما يراه.
رفعت إلينور يدها ومسحت قطرة ماء سالت قرب وجنتها ثم مشت بينهما ببطء ثقيل كأنها تمشي على حافة زمن يعود ليحاكمهم جميعا.
كان أثر قدميها على الرخام يشبه سطور قلم مبلل بالحقيقة يكتب شهادة لا تمحى.
توقفت عند خزانة خشبية صغيرة ذات لون داكن فتحت درجها الأوسط دون أن تنظر كأن الذاكرة قادت أصابعها نحو ما خبأته قبل أن تدفع نحو الغرق.
أخرجت هاتفا قديما مغلفا بكيس بلاستيكي وضعته على المائدة ولما لمست شاشته بأطراف أصابعها انطلقت صورة من كاميرا مخبأة في السقف فوق التراس ثم لقطة أخرى من داخل مزهرية حجرية عند الحافة وثالثة تظهر اليد التي دفعتها والابتسامة المتحجرة على وجه فانيسا.
امتقع وجه مارك كمن يرى نفسه في مرآة تظهر الذنب بلا تجميل وارتجفت أنفاس فانيسا حين دوى في المكان صوت تسجيل قديم من الهاتف يسمع فيه صوتاهما وهما يتهامسان بخطتهما قبل الحادث
رفعت إلينور نظرها نحوهما وقالت بصوت ثابت يشبه الهدوء الذي يسبق الإعصار
في تلك اللحظة التي دفعتني فيها يا مارك لم أكن وحدي. البحر كان شاهدا والعدسات كذلك. أما أنا فأنا التي وضعت الكاميرات حين بدأت رائحة الجشع تفوح من حديثكما عن الوصية التي لم تفتح بعد.
فتح مارك شفتيه محاولا الدفاع
أمي لم نقصد لقد كان سوء فهم
لكنها قاطعته بهدوء يشبه السكين في دقته
سوء الفهم لا يخطط له على جداول التحويلات البنكية ولا تغير لأجله أقفال الخزائن في منتصف الليل.
جلست على طرف المقعد ونزعت خاتما رفيعا من إصبعها ووضعته بجوار الهاتف. لمع الحجر الأخضر في الخاتم تحت ضوء الثريا كعين لا تنام.
قالت
هذا الخاتم يسجل الصوت منذ شروق اليوم. وفي جيبي ساعة صغيرة تحمل شريحة اتصال ترسل نسخة من التسجيل إلى البريد الإلكتروني لمحامي بعد ثلاث دقائق من توقف حركتي. كنت أعلم أنكما لن تتركا لي فرصة للاتصال فتركت التكنولوجيا تتحدث عني بعد الصمت.
اقتربت فانيسا بخطوة مرتعشة وقالت محاولة التماسك
لكننا على جزيرة! من سيأتي لا أحد هنا سيسمعك!
ابتسمت إلينور ببطء ابتسامة فيها وجع أم لم تعد تبكي وقالت
بل سمعوني منذ أن خرجت من البحر. اتصلت بخفر السواحل لحظة صعودي الدرج الحجري تحت التراس. التيارات لم تبتلعني بل سحبتني إلى خليج صغير أنقذني فيه صياد عجوز يعرفني منذ اشترينا هذه الفيلا. سلمته مظروفا صباح اليوم يحتوي على مفاتيح الصندوق الحديدي في البنك وسجل الكاميرات وتعليمات بتسليمه للشرطة إن لم أعد.
أشارت إلى الهاتف أمامها قائلة
وحين يغلق هذا الجهاز ستصل نسخة من الأدلة إلى مكتب الادعاء في المدينة.
اقترب مارك منها كمن يحاول أن يوقف القدر بيده المرتعشة
أمي لقد كنا تحت ضغط لم نقصد إيذاءك أقسم إنها كانت لحظة غضب!
نظرت إليه بعين تشبه الليل في عمقه وقالت
الغضب لا يحرك الأصفار في الحسابات ولا يوقع العقود الوهمية ولا يشتري صمت المحامين. لا تبرر الخيانة بالانفعال يا مارك فالنية تكتب قبل الفعل بوقت طويل.
ثم أشارت إلى ظرف مختوم على المائدة
في هذا الظرف كشف بتحويلاتكما من حساب الشركة إلى حساب وسيط باسم شركة وهمية ومنها إلى حساب سري فتحته فانيسا قبل شهر. والمحاسب الذي تظنانه في صفكما يعمل معي منذ ثلاثين عاما. الصبر يا مارك ليس فضيلة فحسب إنه محكمة كاملة تنتظر لحظة النطق بالحكم.
ارتجفت فانيسا وقالت بلهجة حاولت أن تخفي ارتباكها
لن يصدقوك سنقول إنك تعثرت وسقطت كان حادثا لا أكثر!
ابتسمت إلينور كمن يسمع نغمة مألوفة وقالت
الوحيد الذي سيسقط الليلة هو القناع. فآثار أقدامكما على الحافة والبصمات على الدرابزين والرسائل التي حاولتما حذفها كلها نسخت وأرسلت بالفعل. أما الوصية الجديدة فقد أودعتها أمس لدى الموثق وكتبت فيها الحقيقة كاملة.
ساد صمت كثيف كأن البيت نفسه توقف عن التنفس.
ثم قالت بنبرة خافتة لكنها حاسمة
أحيانا لا يعيد البحر الغارقين بل يعيد الحقيقة وحدها.
وبينما كانت كلماتها تتلاشى في الهواء كان صوت siren بعيد يتصاعد من جهة الميناء يقترب شيئا فشيئا والبحر في الخارج يصفق كمن يشهد أخيرا عودة العدالة من أعماقه.
المرأة التي دفعت إلى البحر فعادت تحمل الحقيقة
عند تلك اللحظة تغير الهواء في المكان كأن البيت نفسه أدرك أن شيئا حاسما يوشك أن يقال.
لمعت عينا مارك
وصية ماذا فعلت يا أمي
نقلت إلينور نظرها بينه وبين فانيسا وبدت في عينيها تلك السكينة القاسية التي لا يملكها إلا من تجاوز الألم.
قالت بنبرة باردة لا تخلو من حزن عتيق
نزعت كل تفويض مالي منحتك إياه منذ العام الماضي وجمدت كل إمكانية للبيع دون توقيعين توقيعي وتوقيع المحامي. وغيرت المستفيدين من الصندوق الاستئماني لم تعودا بين أسمائهم. أموالي ستذهب إلى مؤسسة تحمل اسمي لدعم النساء الكبيرات اللواتي يواجهن عنف الأقارب وإلى برنامج دراسي لأطفال العاملين عندي منذ عقود.
أما أنتما فقد تركت لكما فرصة واحدة نظيفة أن تعملا بيديكما وتبدآ من الصفر بعيدا عن اسمي وبعيدا عن ظلي.
شهقت فانيسا ثم صاحت وقد خنقها الذعر
لن تجرئي!
ضحكت إلينور ضحكة قصيرة بلا سخرية ولا مرارة ضحكة امرأة أنهت خوفها من الناس ومن دمها.
ثم قالت بهدوء ثابت
جرأتكما على دفعي إلى البحر هي التي منحتني الجرأة لأحرر نفسي من ترددي. البحر علمني أن الخوف لا ينقذ وأن النجاة الحقيقية لا تأتي إلا بعد الغرق.
ثم التفتت نحو مارك ونظرت إليه طويلا وقالت بصوت خافت كأنها تنعي ما تبقى من الأمومة في قلبها
ومع ذلك كنت سأترك لك بابا صغيرا لو أنك نظرت إلي للحظة واحدة بوصفك إنسانة لا خزنة تمشي. كنت سأصدق ارتباكك لو أنك بادرت إلى الماء لإنقاذي لكنك انتظرت حتى اختفت الفقاعة الأخيرة يا ولدي لم يعد في داخلي موضع لشك يمكن أن يرحم.
في تلك اللحظة دوى جرس الباب الداخلي ثلاث طرقات متتالية كأنها طرقات قدر لا يؤجل.
انفتح الباب ودخل رجلان بزي بحري رسمي يرافقهما شرطيان يرتديان سترات تحمل شعار الشرطة المحلية.
تجمدت فانيسا في مكانها ولما رأت الخاتم