عاقب الأب ابنته الثرية بأن سلّمها لعبدٍ لكن ما فعله بها جعل الجميع في صدمة

لمحة نيوز

عندما عاقب الأب ابنته
عاقب الأب ابنته الثرية بأن سلمها لعبد لكن ما فعله بها جعل الجميع في صدمة.
في مجتمع ريو دي جانيرو المنافق عام 1880 كان البارون سيفيريانو أحد كبار أسياد القهوة يعتبر رمز الشرف والنظام يلبس دوما بذلة داكنة ورائحة السيجار لا تفارقه. كان الناس يحيونه بخشوع ويتهامسون عن سخائه وعدله لكنه خلف أسوار مزرعته المزدهرة فازيندا لريو برانكو كان طاغية يخنق كل من يتنفس دون إذنه.
كان يؤمن أن النظام هو أن يعرف الجميع مكانهم وأن المال والدم لا يختلطان.
أما ابنته بينديتا فكانت جوهرة هذا العالم الزائف. في التاسعة عشرة من عمرها رشيقة متعلمة ترقص الفالس بخفة الملاك وتتكلم الفرنسية بطلاقة. في الصالونات النبيلة كانت الأمهات يتمنينها زوجة لأبنائهن والرجال يبتسمون حين تمر كما لو كانت وعدا بالحياة.
لكن في عينيها ظل حزن غامض لا يراه أحد سوى شاعر فقير كان يبيع كلماته على الأرصفة.
كانت تلتقيه سرا قرب النهر يقرؤها قصائد عن الحرية ويحدثها عن عالم لا يقاس فيه الإنسان بلونه أو نسبه.
كانت تصغي إليه بقلب يرتجف وتشعر للمرة الأولى أنها ترى.
وحين عرف البارون بالعلاقة لم يصرخ. جلس في صمته المخيف يلمس حافة كأسه وقال للحرس ببرود
أريد اسمه.
وبعد أيام كان

الشاعر قد اختفى قيل إنه سجن وقيل إنه نفي وقيل إن البحر ابتلعه.
ثم التفت البارون إلى ابنته.
لم يقتلها بل اختار ما هو أقسى أن يمحو هويتها.
في صباح رمادي جمع العبيد والمشرفين أمام القصر. خرجت بينديتا بثوب أبيض بسيط بلا مجوهرات بلا كلمات.
رفع الأب يده وقال
هذه المرأة لم تعد ابنتي. 
وأشار إلى العبد الأكثر رهبة في المزرعة داميانو رجل ضخم أسمر البشرة جسده خريطة من الندوب وعيناه كأنهما نافذتان على تاريخ من الألم الصامت.
ثم قال البارون ببرود يقطع الهواء
افعل بها ما تشاء. 
ارتجف الجمع. لم يتجرأ أحد على الحركة.
أن يسلم بارون أبيض ابنته لعبد أسود كان ذلك تجاوزا للجنون نفسه.
تقدم داميانو نحوها. الجميع ظن أن الجحيم سيبدأ.
لكنه وقف أمامها خفض عينيه وقال فقط
تعالي.
وسار بها نحو أكواخ العبيد.
كانت الزنزانة من الطين والرطوبة والذكريات الثقيلة.
جلست بينديتا على الأرض تنتظر الإهانة.
لكن داميانو جلس بعيدا عنها قرب الموقد البارد وأخرج قطعة خشب صغيرة وبدأ ينحتها في صمت عميق.
مرت الدقائق كأنها ساعات ثم همست بصوت مبحوح
لماذا لا تؤذيني
رفع رأسه عينيه غارقتين في ظلال من الحزن والكرامة وقال
لأنهم فعلوا ذلك بالفعل.
انكسر شيء داخلها كأنها سمعت قلبها يسقط
أرضا.
مرت الأيام ببطء. كانت بينديتا تستيقظ مع صياح الديك تحمل الماء من البئر تعجن الطحين وتغسل الثياب. لم يجبرها أحد لكنها بدأت تعمل لتشعر أنها موجودة.
كانت رائحة العرق والوحل تحل محل عطور الورد والحرير وشيئا فشيئا بدأت تتنفس من جديد.
تعلمت من داميانو ما لم تتعلمه من كل أساتذتها
كيف تميز نغمة المطر قبل أن يسقط
كيف تعرف اتجاه الريح من حركة الأشجار
كيف لا تبكي حين تنكسر بل حين تنهض.
صار العبد الذي خافت منه في البداية مرآة ترى فيها حقيقتها وصارت هي بالنسبة له رمزا لإنسانية لم تمت بعد في هذا العالم الظالم.
في إحدى الليالي بعد أشهر من الصمت قالت له
داميانو هل تكرهنا نحن من فعل بكم هذا كله.
أجاب بعد لحظة طويلة من التفكير
أنا لا أكره. الكره يحبسني وأنا تعبت من السجون.
ابتسمت لأول مرة منذ زمن.
وفي صباح آخر كانت تزرع بجانبه يدها تمسك الفأس بثقة. نظر إليها وقال
كنت بنت بارون. الآن صرت بنت الأرض.
فأجابت بهدوء
بل بنت نفسي.
مر عام.
وفي القصر الكبير بدأ البارون يذبل. أصيب بمرض غامض قالوا إن روحه تتمزق من الداخل. طلب أن يرى ابنته.
دخلت بينديتا عليه. لم تعد تلك الفتاة الخزفية بل امرأة من لحم وشمس وطين.
نظر إليها بعينين دامعتين وقال بصوت متقطع
عودي
يا ابنتي. كل شيء لك الاسم اللقب الميراث.
اقتربت منه بهدوء وقالت
أنا لم أترك شيئا لأعود إليه. كنت أنت من ترك.
أمسكت يده لا لتغفر ولا لتدين بل لتودع.
حين خرجت من الغرفة كان جسده قد سكن لكن الماضي كله بدا وكأنه يتنفس للمرة الأخيرة.
خارج القصر كان داميانو ينتظرها عند السور الحجري.
قالت له بابتسامة خفيفة
انتهى.
فأجاب
بل بدأ.
سألها
إلى أين نذهب الآن
قالت وهي تنظر إلى الأفق
إلى مكان لا تكون فيه الحياة قفصا ولا الحب جريمة.
وسارا معا وسط الحقول الخضراء أقدامهما تغرس في التراب كأنها جذور جديدة.
الريح تلاعب شعرها والسماء تفتح لهم طريقا بلا حدود.
رآهما الفلاحون من بعيد وقالوا إن البارون فقد عقله في قبره وإن ابنته ضاعت مع عبدها.
لكن هناك من أقسم أنه رأى شيئا آخر
امرأة خرجت من رمادها
ورجل تحرر من قيوده
واثنان يسيران معا لا فوق الأرض بل فوق جراحها.
في ذلك اليوم لم يكن أحد يعرف من السيد ومن العبد
لأن الحرية كانت هي التي تمشي بينهما.
الجزء الثاني حين ولدت الحرية
رحلا مع الفجر لا يملكان سوى ما تحمله أيديهما.
الطريق الطويل إلى بارا المدينة الساحلية التي لا تنام كان ممتلئا بالضباب والمطر لكنهما لم يتوقفا.
كانت بينديتا تمشي حافية القدمين والندى يلمسها
كأنه يعمدها من جديد.
أما داميانو فكان صامتا كعادته إلا أن وجهه بدا أكثر هدوءا كأن
تم نسخ الرابط