أم واجهت العيلة بالصمت فكسرتهم جميعًا
قصة أم واجهت العيلة بالصمت فكسرتهم جميعا
في الصباح التالي كان الهاتف لا يتوقف عن الرنين.
لكنني لم أجب لأن القرار كان قد اتخذ بالفعل.
لم يكن اندفاعا لحظة غضب ولا رد فعل مؤقت
بل شيء يشبه النور الهادئ الذي يتسلل بعد عاصفة طويلة.
قرار صامت يشبه التنفس بعد الغرق بعد شهور من الاختناق.
وضعت الهاتف على الطاولة ونظرت إلى ليلي النائمة.
كانت صغيرة نحيلة تتنفس بعمق وشعرها المبلل ما زال يحمل رائحة المبيض.
في تلك اللحظة فهمت بوضوح مؤلم أنني لا أملك في الدنيا إلا هذه الطفلة
وأن العالم كله لن يكون كافيا إن تركتها تهان مرة أخرى.
أعددت لها فطورا بسيطا بيضة قطعة خبز محمصة وكوب لبن دافئ.
وحين فتحت عينيها رمشت ببطء وقالت بصوت ناعس
ماما هو أنا كنت وحشة
تجمدت.
الكلمات خرجت منها كطلقة صامتة.
اقتربت منها جلست على السرير أمسكت وجهها بين يدي وقلت بهدوء
لأ يا ليلي. إنت مش وحشة أبدا. اللي حصل ده مش غلطك.
قالت ببراءة تقطع القلب
بس تيتة قالت إن الأطفال الكويسين ما بيكسروش الأطباق.
ابتسمت بحزن وقلت
الأطباق بتتكسر يا حبيبتي القلوب بس هي اللي ماينفعش تتكسر.
ثم قبلت جبينها وهمست
يلا نخرج شوية.
لم تسأل إلى أين.
كأنها كانت تعرف أننا مش راجعين قريب.
خرجنا من البيت قبل ما تصحى المدينة تماما.
الهواء كان بارد السماء رمادية والطريق شبه خالي.
حطيت شنطة صغيرة في المقعد الخلفي فيها شوية هدوم وصورة قديمة لنا
وسقت العربية بصمت طويل.
كل دقيقة كنت حاسة إن حاجة تقيلة بتنتزع من جوايا
زي
بعد ساعة تقريبا وقفت عند موتيل صغير على الطريق السريع.
واجهته باهتة نيون نصه مطفي نوافذه ضبابية
لكن المكان كان هادي ونضيف.
والهدوء ده كان كل اللي محتاجاه.
رجل عجوز استقبلنا بابتسامة شاحبة
سلمني المفتاح وقال وهو بيشير للسلالم المعدنية
الغرفة رقم سبعة فيها شمس الصبح.
شكرته وصعدت.
الغرفة بسيطة سريرين صغيرين ستارة باهتة طاولة خشب مائلة.
لكنها بدت لي جنة مؤقتة.
نامت ليلي بسرعة وأنا وقفت قدام الشباك أراقب الطريق الفاضي.
السماء بدأت تصفو والشمس بتمد خيوط خجولة فوق الأسفلت الرمادي.
مسكت الموبايل لقيت عشرات المكالمات.
أسماء أعرفها حماتي مارك قرايب.
ما رديتش.
كتبت رسالة قصيرة لمارك ثم مسحتها قبل ما أبعثها.
ما كنتش عايزة أشرح.
بدل كده فتحت الكاميرا صورت ليلي وهي نايمة
وبعتها له من غير ولا كلمة.
مرت الساعات ببطء لدرجة إن عقارب الساعة بقت تمشي بصوت.
وفي منتصف النهار سمعنا طرق عنيف على الباب.
فتحت لقيت مارك واقف.
كان شكله مرهق شاحب وعيونه فيها خوف وغضب في نفس الوقت.
قال وهو بيحاول يسيطر على صوته
كارن ماما في حالة هستيريا بتقول إنك خطفتي ليلي.
رفعت حاجبي ببرود وقلت
اختطاف أنا بس خدت بنتي بعيد عن الناس اللي نسيت إنها بنتهم.
اتنفس بعصبية وقال
هي كانت بتحاول تساعدك يا كارن.
ضحكت بمرارة
مساعدة إنها تسيب طفلة عندها تسع سنين لوحدها سبع ساعات عشان طبق اتكسر
ده اسمه عقاب ولا قسوة
سكت.
وبعد لحظة قال
كان لازم تتكلمي
قلت وأنا بصوتي رجفة هادئة
كلمتك مليون مرة بس دايما كنت بتختار تصدقهم هما.
فضل ساكت بس عيونه كانت بتتهز.
أول مرة أشوف فيه التردد بدل التبرير.
قال بعدها بصوت واطي
هكلمهم وأحل الموضوع.
نظرت له بثبات وقلت
أنا بالفعل حليته.
إزاي
رجعت كل الهدايا اللي جابوها لليلي.
سبتهم على باب بيتهم ومعاهم ورقة مكتوب فيها
ماينفعش تختاروا أنهي حفيدة تستحق الحب.
تغير وجهه كأنه فهم إن اللعبة خلصت وإن الصمت بقى أقوى من الكلام.
قعد على الكرسي دفن وشه في كفيه وأنا شفته لأول مرة بلا دفاع ولا كبرياء.
رجل تايه بين أمه وضميره.
قضينا اليوم في صمت طويل.
وفي المساء رجع مارك للبيت علشان يهدي والدته
وأنا بقيت في الموتيل أراقب ليلي وهي بترسم.
كانت بترسم بيت صغير وشمس كبيرة فوقه.
قالت لي وهي بتلونها بالأصفر
دي شمسنا يا ماما محدش يقدر يطفيها.
ابتسمت وحسيت الخيوط المقطوعة جوايا بتتصل من جديد.
بعد يومين رجعنا البيت.
لكن كل حاجة كانت مختلفة.
الصور على الحيطان فقدت معناها
الأثاث مابقاش فيه الدفء اللي كان.
ليلي كانت أهدى بس في عينيها قوة جديدة كأنها كبرت فجأة.
وفي ليلة وهي بتساعدني أرتب السرير قالت فجأة
ماما هو الحب بيتغير
سألتها
ليه بتسألي
قالت
عشان تيتة كانت بتحبني وبعدين بطلت.
ابتسمت بحزن وقلت
اللي بيحب بجد ما يعرفش يبطل يا حبيبتي.
يمكن هي عمرها ما عرفت يعني إيه حب.
هزت راسها وقالت بثقة طفلة تعلمت الدرس بدري
أنا بحبك على طول حتى لو كسرت
ضحكت من قلبي لأول مرة من شهور.
ضحكة خرجت من جرح بدأ يلتئم.
مرت أسابيع من الصمت.
ولا مكالمة.
لحد ما جه عيد ميلاد إيميلي.
مارك أصر نروح قال بابتسامة باهتة
نبقى مؤدبين ماينفعش نقطع العيلة.
وافقت. مش علشان المجاملة
لكن لأني كنت عايزة أنهي اللي بدأته.
قصة أم واجهت العيلة بالصمت فكسرتهم جميعا
في الصباح التالي كان الهاتف يرن بلا توقف كأنه يصرخ نيابة عنهم جميعا.
لكنني لم أجب.
كنت قد قررت بالفعل.
لم يكن القرار اندفاعا ولا لحظة غضب بل يقظة بطيئة بعد غيبوبة طويلة.
قرار يشبه النفس الأول بعد الغرق حين تدرك أن النجاة ليست في الصراخ بل في الصمت.
وضعت الهاتف على الطاولة ونظرت إلى ليلي النائمة بجانبي.
كانت صغيرة نحيلة شعرها المبلل ما زال يحمل رائحة المبيض الرخيص الذي غسلت به الأطباق بالأمس قبل أن تعاقب.
نظرت إليها وأنا أدرك أن كل العالم يمكن أن ينهار من حولي لكن هذه الطفلة هي الكون كله.
أعددت فطورا بسيطا بيضة قطعة خبز محمصة وكوب لبن دافئ.
حين فتحت عينيها وسحبت الغطاء بكسل نظرت لي وسألت بصوت مبحوح من البكاء القديم
ماما هو أنا كنت وحشة
تجمدت للحظة وشعرت بالكلمات تخترقني كطلقة باردة.
اقتربت منها وضعت يدي على خدها وقلت بهدوء متماسك
لأ يا ليلي إنتي مش وحشة أبدا اللي حصل مش غلطك.
قالت ببراءة موجعة
بس تيتة قالت إن الأطفال الكويسين ما بيكسروش الأطباق.
ابتسمت بحزن وقلت
الأطباق بتتكسر يا حبيبتي القلوب بس اللي مينفعش تتكسر.
ثم قبلت جبينها وقلت
يلا
لم تسأل إلى أين. كأنها كانت تعرف أننا مش راجعين قريب.
خرجنا قبل ما تصحى المدينة والهواء كان بارد والسماء رمادية