سامانثا ريد اشتغلت مربية أطفال في لوس أنجلوس حوالي ست سنين
حست بخنقة في حلقها لما الغريب انحنى على سرير الطفل، كأن الهواء اتسحب من الأوضة.
كانت ست، شكلها في أواخر الخمسينات، شعرها رمادي ملفوف بعناية، لابسة فستان وردي باهت باين عليه من زمن تاني. حركتها كانت بطيئة، حريصة، كأنها بتتعامل مع حاجة غالية جدًا عليها. مدت إيدها ولمست خد أوليفر بحنية غريبة، والابتسامة اللي على وشها كانت بين الشجن والجنون.
بصدمتها، سامانثا شافت الست وهي بتفك أزرار هدوم الطفل الصغيرة، وتطلع حاجة معدنية وباردة – شكلها جهاز صغير أو أداة طبية – وضغطتها على صدره. أوليفر أصدر صوت خافت، زقزقة قصيرة، بس ما بكىش.
المنظر خلّى قلبها يقع. أول فكرة جت في دماغها إنها تجري على البيت فورًا، لكنها وقفت مكانها، محبوسة بين خوفها وفضولها. الست اتحركت جوه الأوضة كأنها صاحبتها من زمان، بتبص حوالينها براحة غريبة. بعدين شدّت لهاية أوليفر، قربتها من وشها، شمّتها ببطء، وابتسمت ابتسامة ناعمة فيها حنين:
"تشبهينه بالظبط..."
الكلمة دي فضلت ترنّ في ودن سامانثا طول الليل. ما قدرتش تنام، كل ثانية كانت بتفكر في احتمال مختلف: يمكن جار عنده مفتاح، يمكن قريبة مجنونة، أو يمكن… حاجة أبعد من المنطق.
الصبح اللي بعده، دانيال قال إنه هيشتغل وردية متأخرة، وإميلي – أختها – قالت إنها هتبات في المعرض لحد نص الليل. التوقيت كان غريب جدًا، كأنه متخطط.
سامانثا قررت تكمّل. ركبت كاميرتين جداد، واحدة في الرِدهة، والتانية عند الباب الأمامي. قالت لنفسها وهي بتضبط الزاوية: "المرة دي مش هيفلت مني."
الليل اللي بعده، لما رجعت تشوف التسجيل، الدم اتجمد في عروقها. الست الغريبة ظهرت تاني، بس ما دخلتش من الباب ولا من الرِدهة. دخلت من القبو.
سامانثا
تاني يوم، لما دانيال خرج يجيب حاجات من السوبرماركت، سامانثا نزلت بنفسها للطابق السفلي. كل خطوة كانت بتكسر الصمت اللي مالي البيت. الجو كان رطب وريحت المعدن في الهوا خانقة. وصلت لباب معدني عليه لوحة مفاتيح، ومليان خدوش حوالينه – خدوش كأن حد حاول يفتحه من جوّه، مش من برّه.
قلبها بدأ يدق بسرعة. رجعت بخطوات مرتعشة. في الليلة دي، كتمت صوتها واتصلت بالشرطة من رقم مجهول، وقالتلهم إنها شاكة في وجود متسلل في القبو.
بعد نص ساعة، عربيات الشرطة وصلت. دانيال كان واقف في وشهم بهدوء عجيب. استقبلهم مبتسم، وقال بثقة:
"أكيد في سوء تفاهم، بس تفضلوا."
الضباط فتشوا البيت كله، حتى القبو. لما فتح الباب، كل اللي شافته سامانثا كان رفوف فاضية، طبقة غبار سميكة، وريحة خفيفة من المُبيض. لا أثر لأي ست، ولا لجهاز، ولا لأي حاجة غريبة.
الشرطة مشيت، وسابت وراها شكوك أكتر من الأجوبة. دانيال لفّ وشه وقال لها بابتسامة باهتة:
"شايفة؟ مفيش حاجة، يمكن بس تعبتي."
بس سامانثا كانت متأكدة إنها ما بتتوهمش. خصوصًا لما لاحظت في اليوم اللي بعده إن آثار الجروح الصغيرة على صدر أوليفر لسه موجودة، بنفس شكل الأداة المعدنية اللي شافتها.
فضلت الكاميرات شغالة. وبعد ليلتين، جت الحقيقة.
الفيديو بدأ عادي: أوضة الطفل هادية، أوليفر نايم، الإضاءة خافتة. بعد دقائق، باب القبو اتفتح تاني بصوت صرير طويل، والست طلعت منه بخطوات آلية، ملامحها جامدة كأنها دمية قديمة اتكسرت.
لكن المرادي، في زاوية
سامانثا شهقت، قلبها كان هيوقف. دانيال كان بيتكلم بهدوء، بيقود الست بإيده، صوته واضح في التسجيل:
"مفيش مشكلة يا ماما... تقدري تشوفيه دقيقة واحدة بس."
الكلمة الأخيرة خبطت فيها زي طلقة.
ماما.
الست الغريبة مش دخيلة. دي أمه.
سامانثا اتصلبت مكانها، عينيها مش قادرة تصدق اللي شايفاه.
الست اللي كانت بتظهر في التسجيل مش غريبة عنها. كانت والدة دانيال.
الدنيا لفت بيها. كل القطع الصغيرة اللي كانت مش مفهومة بدأت تركب في بعض. الريحة المعدنية اللي كانت طالعـة من القبو، قفله المستمر على المكان، وطريقته الغريبة لما تسأله عن أمه. كل حاجة بقت منطقية فجأة... منطقية بطريقة مرعبة.
في نفس الليلة، قعدت تدور على اسم “إليانور آدامز” على الإنترنت، وكل ما قلبها كان بيغوص أكتر في الخوف. لقت تقارير قديمة من الشرطة عن اختفاء ممرضة نفسية سابقة، كانت بتتعالج من خرف حاد واختفت فجأة من دار الرعاية من خمس سنين. الزوج ابنها، دانيال آدامز، صرّح وقتها إنها توفيت بعد أيام من دخولها الدار.
لكن الحقيقة إنها ما ماتتش.
هو خبّاها في القبو.
الفيديو اللي مع سامانثا كان الدليل.
في اللقطة الأخيرة، ظهر دانيال وهو بيفتح باب القبو، ماسك إيد أمه برفق بعد ما خلصت زيارتها القصيرة للطفل. قبل ما تنزل، إليانور رفعت وشها وبصّت ناحيـة الكاميرا، بعينين باين فيهم الإدراك الغريب، كأنها كانت عارفة إنها متراقبة.
وهمست بصوت واهن:
"يشبه داني الصغير... متخلوش ياخدوه بعيد."
الكلمة دي كانت آخر حاجة خرجت من فمها، وآخر حاجة احتاجتها سامانثا عشان تتحرك.
تاني يوم الصبح، راحت بنفسها لقسم الشرطة ومعاها الفيديو كامل.
في خلال ساعات قليلة، عربيات الشرطة رجعت
وهناك، لقوا إليانور.
كانت قاعدة على السرير، شعرها أبيض زي التلج، جسمها نحيف، وعينيها متوترة كأنها فاكرة ومش فاكرة في نفس الوقت.
لما شافت الضباط، اتجمّدت لحظة، وبعدين قالت بصوت مرتعش:
"هو وعدني... مش هيؤذيني."
سامانثا وقفت تبص عليها من بعيد، والإحساس جواها كان خليط غريب بين الحزن والصدمة. الست دي ما كانتش مجرمة، كانت ضحية ابن حبها بطريقة غلط.
دانيال اتقبض عليه بهدوء. اعترف بكل حاجة. قال إنه ماقدرش يسيب أمه تموت في دار رعاية بعد ما بدأت تنسى اسمه. كان شايف نفسه بينقذها، مش بيعذبها. بس إنقاذه اتحول لسجن، وسر كاد يبتلعهم كلهم.
إميلي، مراته، ماقدرتش تستحمل الفضيحة. بعد أسابيع قليلة، رفعت قضية طلاق، وسابت البيت للأبد. الجيران اتكلموا شهور عن القصة، الصحف كتبت عنها كأنها حكاية رعب من فيلم، والحي بقى بيتجنب ذكر اسم "عيلة آدامز" كأنه لعنة.
سامانثا نقلت شقتها وسابت كل حاجة وراها، بس الكاميرا الصغيرة فضلت في درج مكتبها. ماقدرتش تتخلص منها. كل مرة تبصّ عليها، تحس إنها شاهد على اليوم اللي أنقذت فيه روح صغيرة، وكشفت سر كان مدفون قدام عيون الكل من غير ما حد ياخد باله.
أحيانًا، بالليل، وهي بتطفي النور، تتهيأ لها إنها سامعة صوت الست العجوز بيهمس في ودنها من بعيد:
"متخلوش ياخدوه بعيد..."
وساعتها، بتفتكر إن في بيوت كتير