ساعة الزمن أضاعت حليمة أحلامها قبل أن تتفتح

لمحة نيوز

ساعة الزمن
أضاعت حليمة أحلامها قبل أن تتفتح.
صبية صغيرة كان يجب أن تلعب بالدمى وتضحك لكنها كبرت قبل أوانها تجر على كتفيها هم اليتيمة وتختبئ من قسوة العالم خلف نظرات أكبر من عمرها.
ولدت لأسرة فقيرة في قرية منسية ومات والدها مبكرا بمرض السل تاركا وراءه أما عليلة وطفلة لا تعرف من الحياة سوى البرد والحرمان.
كانت الأم تجمع الخردة من أزقة الحارات ومكبات القمامة تحت المطر والغبار لتؤمن لقمة تسد رمقهما. أحيانا كانت تصطحب حليمة معها فيتسخ فستانها الصغير بالطين وتتعلم من الحياة أول دروسها أن الكرامة لا تمنح بل تنتزع.
وفي ليلة ماطرة من ليالي الشتاء استيقظ المرض في جسد الأم فقررت حليمة أن تذهب بدلا عنها.
ارتدت معطفها البالي ذاك الذي كان بالكاد يستر جسدها النحيل وخرجت تحت المطر المتساقط بخطى صغيرة مترددة لكنها مصممة.
وصلت إلى مركز لتجميع النفايات

بعد أن هدأت زخات المطر.
أخرجت الكيس القماشي الذي تستعمله أمها وبدأت تلتقط قطع الحديد والأسلاك الصدئة. كان الهواء باردا ورائحة المكان خانقة لكن عينيها ظلتا تلمعان بشيء غريب خليط من الذكاء والفضول والنجاة.
وبينما كانت تنحني تفتش ارتطمت قدمها بشيء معدني ثقيل.
ركعت تحاول سحبه من الوحل. قطعة مستديرة مغطاة بالطين.
بدأت تمسحها بطرف معطفها غير مبالية باتساخه فماذا يضير القذر القذر
وحين انكشف سطحها تبين أنها ساعة حائط قديمة صدئة عقاربها متوقفة عند منتصف الليل.
جلست حليمة قرب جدار غرفة مهجورة قريبة تمسحها بحذر.
لكن فجأة حين أزالت آخر ما علق بها من طين
تحركت العقارب!
عادت إلى موضعها السابق كأن الزمن استيقظ من سباته.
تراجعت الفتاة بدهشة ثم اقتربت مرة أخرى وأعادت مسحها.
وفجأة انطلق من الساعة صوت عميق غريب كأن الأرض نفسها تتنفس من داخلها.
صرخت حليمة
وألقت الساعة أرضا تتراجع بخوف جامح.
ثم جاء الصوت ثانية أكثر وضوحا
انتظري لا تخافي يا فتاة.
تجمدت مكانها.
نظرت حولها لا أحد. المطر الصمت والساعة.
عاد الصوت
أنت محظوظة يا حليمة. لم يعرف أحد من قبلك قيمة هذه الساعة. إنها نافذتك إلى العالم. لا تضيعي الفرصة إنها ساعة الزمن.
ارتعش قلبها تراجعت خطوة همت بالفرار لكنها تذكرت كيس الخردة الذي تركته في الغرفة.
تقدمت بخوف لتأخذه وما إن لامست يدها مقبض الباب
حتى دارت عقارب الساعة بسرعة مذهلة كأنها تدور بالعالم كله معها.
وفي مركزها انفتحت فجوة بيضوية صغيرة تشبه عينا ممزقة الأطراف تتوهج بضوء باهت.
اقتربت حليمة رغما عنها بعينين مذعورتين.
ومن خلال تلك الفتحة بدأت ترى عالما آخر.
رأت أمها أولا تمشي بخطوات هادئة مرفوعة الرأس خالية من المرض بوجه ناصع كالنور تبتسم مطمئنة كأن الألم لم يزرها يوما.
ثم رأت أباها
كما تذكره قويا معافى يسير نحوها في حقل أخضر وابتسامته تعيد الحياة لقلوب ميتة.
لكن ما لبثت أن تغير المشهد فجأة 
صرخات فوضى لهب وجوه تلوح بين الدخان.
رأت جديها يركضان مذعورين يصرخان ويولولان كمن يهرب من قدر لا مهرب منه.
ثم ظهر المرابي الذي كان يستغل والدتها النار تلتهمه من الداخل وهو يعوي كذئب جريح.
وذاك البقال الغشاش يركض بلا هدف يتعثر في رماده.
وزعيم القرية يبكي وجهه الممزق يتوسل الغفران ولا مجيب.
رأت نساء لا تلامس أقدامهن الأرض يتحركن في دوامة من الضباب والعويل وأصواتا غريبة تتردد كأنها صدى الأرواح التائهة.
كانت المشاهد تتلاحق بسرعة تضطرب وتغيب وتعود ماض حاضر ومستقبل يتشابكون في عين الساعة.
حليمة وقفت ترتجف أمامها لا تعرف أهي تحلم أم أن الزمن انفتح لها فعلا وكشف لها وجهه الحقيقي الوجه الذي لا يراه أحد إلا من عانى مثله.
اقتربت أكثر
ودموعها تختلط بالمطر على خديها.
تمتم الصوت
تم نسخ الرابط