اتجوزت أشطر دكتور نسا واللي عرفته بعد ولادتي التؤم شقلب حالي
النبض في وداني بقى عالي لدرجة وجع،
والصورة على الشاشة قدامي فيها اتنين قلوب صغيرة بتنبض…
التوأم اللي حلمت بيهم، اللي كنت شايفة فيهم الأمل والرضا،
هيكون تمنهم حياتي؟
خرجت من عندها وأنا مشيا بخطوات تايهة،
كنت محتاجة حضن، كلمة "هنعدي"،
لكن أول ما حكيت لجوزي، وشه اتغيّر تمامًا.
ما سألش عليا، ما سألش "وجعك إيه؟"،
قال بهدوء قاتل:
"يعني لو عملتي العملية… الولدين هيروحوا؟"
هززت راسي وأنا بعيّط،
قالها بمنتهى البرود:
"يبقى مش هنعملها، لازم نحافظ على الحمل."
حسّيت قلبي بيتكسر جوّه صدري.
إزاي إنسان بيتكلم كده؟
إزاي بيختار الأجنة اللي لسه ما شافهمش،
على مراته اللي كانت بتسنده في كل خطوة؟
حاولت أشرحله إن الورم ممكن يقتلني،
وإن الدكتورة قالت لازم تدخل جراحي عاجل.
لكن هو كان شايف حاجة واحدة:
"الولد."
الكلمة اللي مسمّعهاش أربع مرات قبل كده،
واللي بقى بيعبدها كأنها خلاصه الوحيد.
ليالي طويلة قضيتها بين دموع وخوف.
كنت بحس بنبض التوأم جوايا،
بس في نفس الوقت بحس الموت بيقرب مني كل يوم.
وفي لحظة ضعف، قلت لازم أتكلم مع بابا.
لما سمعني، صوته اتكتم من الصدمة،
وبعد لحظات قال بحزم:
"مش هتكملي، إحنا هنعملك العملية فورًا،
حياتك أهم من أي حاجة."
بس الدكتور المحترم استغل نفوذه.
راح له وقاله إن الأمور تحت السيطرة،
وإنه هيهتم بيا بنفسه في القصر الفرنسي في القاهرة،
مكان شغله، وقالها بثقة:
"أنا هتابعها بنفسي، وهننقذ التوأم والأم."
بابا صدّق، وأنا كنت ضعيفة ومشتتة.
روحت معاه… وأنا مش عارفة إن القرار ده
هيكون بداية جحيمي الحقيقي.
في القصر الفرنسي، حجزني في جناح خاص.
قاللي: "هنبدأ التحاليل والعلاج هنا، كل حاجة متوفرة."
بس اللي حصل كان عكس كده تمامًا.
عدّى يوم ورا يوم، وأنا مش فاهمة العلاج فين.
كل اللي بيعمله كلام معسول، مهدئات خفيفة،
وحقن “فيتامينات” كانت بتخليني أنام بالساعات.
فضلت كده ٢٠ يوم تقريبًا.
حسيت إن جسمي بيضعف،
الورم بيزيد، والوجع بقى شبه دائم.
ولما واجهته، ضحك وقال:
"إنتي بس متوترة، كله هيعدي… أهم حاجة نحافظ على الولدين."
بس في عيونه كان في خوف،
وفي تصرفاته كان في غموض…
زي اللي بيخبّي حاجة.
في آخر أسبوع، وأنا في السابع تقريبًا،
بدأت أفقد الوعي كتير.
ممرضة كانت بتيجي تتابعني،
وشفت في عنيها تعاطف غريب،
كأنها عايزة تقول حاجة ومش قادرة.
وفي يوم، قربت مني وقالت بهمس:
"الدكتور مأجّل العملية علشان الحمل يكمل،
وإنتي حالتك بتسوء كل يوم."
الكلمة دي نزلت عليا زي الرصاصة.
معقول؟
هو كان بيضحك عليا؟
كان بيستنى الوقت يمر علشان الجنين يكبر وأنا هموت؟
ساعتها قررت أتصرف.
كتبت ورقة صغيرة،
كتبت فيها رقم بابا وأخويا وجملة واحدة:
“الحقوني… أنا في خطر.”
واديتهالها وقلت لها: “أمانة، ابعتيها.”
الست دي كانت رحيمة…
وبالفعل
ما فاتش يومين،
لقيت صوت دوشة، صريخ،
وصوت بابا بيزعق باسمي في طرقات المستشفى.
دخلوا عليا زي العاصفة،
بابا، أخويا، عيلتي كلها.
كان منظري يوجع القلب:
وشي شاحب، جسمي ضعيف،
والدموع مابتفارقنيش.
بابا مسك جوزي من هدومه وقالله:
"إنت كنت هتقتل بنتي؟!"
بس الدكتور بكل برود قال:
"أنا كنت بحافظ على أولادها!"
ساعتها أخويا انفجر:
"حتى لو كانوا ألف ولد،
حياتها فوق أي حاجة."
خدوني بالعافية من هناك،
وركبوني عربية إسعاف.
روحت لدكتورة صاحبتي وزميلتي في الكلية،
اللي أول ما شافت التحاليل والأشعة،
وشها اتبدّل وقالت بصوت واطي:
"واحد من التوأم مات… والتاني حالته خطر."
كانت حالتي متدهورة جدًا.
دخلت غرفة العمليات وهي بتبصلي بعينين بتدمع.
قالتلي: "هعملك إجهاض فوري… ولو ماعملتوش دلوقتي، ممكن ما نلحقكيش."
آخر حاجة فاكرها قبل ما أفقد الوعي،
كانت دموعي وهي نازلة على خدي
وصوتي وأنا بقول:
"خليهم يقولوا اللي يقولوه… بس خليني أعيش لبناتي."
صحيت بعد العملية على ريحة مطهرات،
وصوت أجهزة،
ولقيت بابا ماسك إيدي،
وأخويا بيبصلي وهو بيحاول يخفي دموعه.
الدكتورة قالت بهدوء:
"نجيناكِ من الموت في آخر لحظة."
الورم اتشال،
بس روحي كانت لسه بتتعالج من اللي اتكسر فيها.
جوزي؟
ما سألش، ما زارنيش، ما حتى سأل بناتي فين.
سمعت إنه بيحاول يطلّع شائعات عني،
بيقول إني كنت سبب كل
وإني مجنونة.
بس المرة دي، ما كنتش لوحدي.
أخويا رفع عليه قضية سب وقذف،
وهدده قدام الناس:
"لو فتحت بُقك بكلمة عن أختي،
هتعرف يعني إيه الرجولة بجد."
بعد شهور علاج نفسي وجسدي،
خدت القرار اللي كنت لازم آخده من زمان.
قدّمت على الخُلع.
القاضي سألني:
"متأكدة؟"
قلتله وأنا ببص في الأرض:
"أنا متأكدة إني عايزة أعيش."
خدت بناتي، وبدأنا حياة جديدة.
كان صعب، بس كل مرة كنت بحضنهم
بحس إن ربنا بيطبطب عليا.
بقينا أنا وهما عيلة صغيرة،
بس مليانة حب حقيقي.
علمتهم إن القوة مش إنك تستحملي الإهانة،
القوة إنك تمشي لما الخطر يبقى في بيتك.
النهارده لما ببص ورايا،
مش بشوف ماضي أسود،
بشوف معركة انتصرت فيها.
مش بسهولة، ولا من غير جروح،
لكن انتصرت.
وبقولها لكل بنت ممكن تكون في نفس موقفي:
ما تسكتيش.
اللي بيحبك مش هيضحي بيك علشان حلمه.
اللي بيحبك هيخاف عليكِ أكتر من نفسه.
ما تغركيش الألقاب ولا الفلوس ولا الشهادات،
كل ده بيتنسى، بس الإنسانية ما بتتشالش.
ابحثي عن راجل يعرف الرحمة قبل العلم،
والحياة قبل المجد،
ويعرف يعني إيه "شريكة" مش "أداة".
وأوعي، أكررها،
أوعي تسيبي أهلك علشان أي حد،
لأن اللي بيحبك بجد، عمره ما هيمنعك عنهم.
همّ اللي دمهم هيحنّ، حتى لو الدنيا كلها قست عليك.
أنا النهارده مش بس "الدكتورة"،
أنا “الناجية”.
اللي ربنا كتب لها حياة جديدة،
وبناتي هما
وكل مرة ببص في عيونهم،
بفتكر اللحظة اللي اخترت فيها الحياة،
وأقول لنفسي:
"كان عندك حق… لأنك لو متي،
ماكنش حد في الدنيا هيحبهم زيك."