في عمر 61 عامًا، تزوجت المرأة التي أحببتها منذ المدرسة الثانوية
يشبه ضوء الصباح حين يتسلل برفق إلى غرفة كانت مظلمة طويلا.
لم نكن نسابق الوقت كنا نحياه كما هو نعيد اكتشاف تفاصيله الصغيرة التي لم نعد نراها في زحمة العمر.
كنت أستيقظ كل يوم على صوت خطواتها في المطبخ وصوت غلاية الماء وهي تصدر همسها المعتاد.
حين أدخل الغرفة أجدها ترتدي معطفها الأزرق ذاته وتنتظرني بكوبين من القهوة.
كانت تبتسم ابتسامة صغيرة لكنها حقيقية كأنها تقول لي دون كلمات
ما زلنا هنا رغم كل شيء.
في الربيع زرعنا شتلات صغيرة خلف البيت روزماري نعناع وبضع زهور بنفسجية.
كانت تعاملها كما تعامل الأطفال تسقيها بحنان مفرط وتتحدث إليها كما لو كانت تفهم.
وكنت أراقبها من بعيد وأقول لنفسي إن الله أحيانا يؤخر الهدايا لكنه لا ينساها.
بدأنا نخرج كثيرا.
نذهب إلى البحيرة التي التقينا عندها أول مرة نجلس على المقعد الخشبي نفسه نراقب انعكاس الغروب على الماء ونتحدث عن أشياء تافهة لكنها جميلة الطيور الطقس الوصفات الجديدة
كنت أسمع صوتها فأشعر أن قلبي الذي أرهقه الفقد بدأ ينبض بطريقة مختلفة أهدأ أصدق أنقى.
وذات يوم عدنا إلى بيت المدرسة القديمة ذلك الذي شهد أول لقاء بيننا قبل أربعين عاما.
كان المبنى شبه مهجور لكن الممرات ما زالت تحمل رائحة الطباشير وأصوات الضحك البعيد.
دخلنا الفصل الذي كان يجمعنا في الصف الأخير ووقفت هي تلمس أحد المقاعد الخشبية بيديها المرتجفتين.
قالت وهي تضحك والدموع تلمع في عينيها
أتذكر هنا كتبت لي أول رسالة حب.
أجبتها مبتسما
كنت أظنها سرا عظيما بينما الجميع كانوا يروننا نبتسم لبعضنا كل يوم!
ضحكنا طويلا ثم جلست بجانبي ووضعت رأسها على كتفي.
في تلك اللحظة شعرت أن كل السنين التي ضاعت بيننا لم تكن عبثا كانت الطريق الذي أعادنا إلى هذا المكان.
مرت سنة كاملة وبدأت صحتها تتحسن.
النوم صار أعمق الضحك أكثر والسكوت لم يعد ثقيلا كما كان.
كنت أكتب لها ملاحظات صغيرة وأتركها على المرآة
صباح
تذكري أن تأخذي دواءك قبل الظهيرة.
أحبك حتى وإن كنت نائمة.
وفي المساء كانت ترد بخط يدها الجميل على ورق معطر
مايكل شكرا لأنك جعلت الشيخوخة تبدو جميلة.
في عيد ميلادها الخامس والستين أقمت لها حفلا صغيرا في الحديقة.
دعوت ابني دانيال وابنتي ريبيكا وحتى بعض الجيران الذين صاروا يزوروننا كثيرا بعد أن عرفوا قصتنا.
أحضرت لها قالب كعك عليه عبارة بسيطة إلى ليندا التي جعلت الحياة تبدأ من جديد.
حين قرأتها بكت وهي تضحك ثم همست في أذني
ألم أقل لك إننا تأخرنا قليلا فقط
ابتسمت وقلت
لا يا حبيبتي نحن جئنا في الوقت المناسب تماما.
في تلك الليلة جلست أمام المدفأة وهي تمسك يدي وتقرأ بصوت خافت فقرة من رواية قديمة كانت تحبها
كل ما يضيع يعود بشكل آخر كل ما يؤجل يأتي أجمل.
وحين انتهت من القراءة نظرت إلي وقالت
كنت أظن أن الحب للشباب فقط لكنه في الحقيقة يحتاج إلى عمر طويل حتى نفهمه.
أجبتها
ربما كنا نحتاج أن نضيع
الآن بعد عامين من زواجنا لم أعد أعد الأيام.
صرت أعيشها فقط بسلام يشبه صلاة آخر النهار.
كل صباح أفتح النافذة أسمع صوتها وهي تغني في المطبخ وأدعو الله أن يمد في أعمارنا قليلا لا لشيء سوى أن أقول لها كل يوم
شكرا لأنك جئت.
وحين نسير معا في الطريق ألاحظ كيف يتوقف الناس لبرهة حين يروننا نمسك أيدي بعضنا البعض كأنهم يشاهدون مشهدا من فيلم قديم جميل.
أما نحن فلا نرى أحدا.
نمشي ببطء نضحك على أشياء بسيطة نلتقط صورا غبية ونعد بعضنا بأن الغد سيكون أجمل.
ربما لم نحظ بشباب طويل لكننا وجدنا ما هو أثمن سلام يشبه العناق بعد حرب طويلة.
وكل ليلة قبل أن ننام أسمعها تهمس لي بصوت دافئ يغلبه النعاس
مايكل أعدني ألا تسبقني إلى الرحيل.
فأجيبها وأنا أضمها برفق
لن أسبقك يا ليندا هذه المرة سنرحل معا.
ثم تنام مبتسمة
وأفكر أن الله حين أراد أن يعوضني عن كل ما فقدت أرسل لي امرأة اسمها ليندا
لتثبت لي أن بعض النهايات