قصة ممرضة اكتشفت حقيقة غير متوقعة عن مريض
شديد كأنه صراع بين الحياة والنوم الأبدي.
شهقت آنا ووضعت يدها على فمها لم تصدق عينيها. هل كان ذلك حقيقيا أم مجرد انعكاس ضوء
اقتربت أكثر قلبها يخفق بعنف وهي تحدق في وجهه الجامد.
ثم همست
غرانت هل تسمعني
لم يأت رد لكن جهاز تخطيط القلب أصدر صفيرا طفيفا أعلى من المعتاد. نظرت إليه بدهشة وترددت لحظة قبل أن تضع يدها من جديد على كفه. هذه المرة لم يكن باردا كما قبل كان دافئا قليلا.
تراجعت للخلف بخوف ودهشة. عقلها الممرض المدرب كان يرفض تصديق ما تراه عيناها لكن قلبها كان يهمس لها بأن هناك شيئا يحدث هنا شيئا خارقا للمنطق.
مرت دقائق من الصمت تخللتها أصوات الأجهزة فقط. كتبت آنا ملاحظاتها في الدفتر بسرعة ثم نهضت لتفحص أنبوب التنفس والمحاليل.
لكنها عندما التفتت نحوه مجددا كادت تسقط من الصدمة.
وجهه تغير.
كانت عضلات فكه تتحرك ببطء شديد كأنه يحاول النطق بشيء ما.
اقتربت منه بخطوات مرتجفة وانحنت فوقه لتسمع. همهمة خفيفة خرجت من بين شفتيه بالكاد تسمع لكن الكلمات كانت واضحة بما يكفي لتجمد الدم في عروقها
آنا لا تتركيهم يقتربون.
ارتجفت يدها وسقط القلم من أصابعها على الأرض.
لقد قال اسمها.
كيف يعرف اسمها
تراجعت إلى الوراء ببطء مذهول تحدق فيه بعينين واسعتين لا تصدقان ما حدث. قلبها ينبض بعنف وعقلها يحاول تفسير ما سمعته. أهو مجرد وهم هل لسانه تحرك مصادفة أم أن الرجل الذي قيل إنه في غيبوبة عميقة كان واعيا كل هذا الوقت
ظلت آنا واقفة لثوان طويلة أمام السرير تحدق في وجه المريض النائم تحاول أن تستوعب ما حدث للتو. كانت متأكدة أنها سمعت صوتا همسا خافتا باسمها لكن عقلها المنطقي بدأ يستعيد توازنه شيئا فشيئا.
هل كان ذلك صوتا فعلا أم مجرد خيال صنعه التعب
تنفست بعمق وهي تمرر يدها على جبينها. لقد كانت تعمل منذ الصباح والقلق والضغط جعلا كل شيء يبدو أكثر ثقلا مما هو عليه. جلست على الكرسي بجانب السرير تحاول تهدئة نفسها بينما تراقب حركة الأجهزة الطبية. كل شيء طبيعي لا مؤشرات غير معتادة فقط نبض هادئ وانتظام ممل.
ابتسمت بسخرية خفيفة وقالت لنفسها
آنا يبدو أنك بحاجة إلى قسط من النوم أكثر منه.
مدت يدها مجددا لتتفقد أجهزة المحاليل والأنابيب ثم رتبت الغطاء
أغمضت عينيها للحظة وهي تتنفس بهدوء. كان هناك في الغرفة سكون مريح هذه المرة لم تعد تشعر بالخوف أو الارتباك. فقط إحساس خفيف بالأسى.
نظرت إلى وجهه مجددا وفكرت كم يمكن أن يكون الزمن قاسيا حين يترك إنسانا عالقا بين الحياة والموت. كم من الأحلام والقصص والأمنيات حبست في عقل لا يستجيب.
قال لها الدكتور هاريس في البداية إنه لا يحتاج سوى شخص يعتني به بإخلاص وربما لم تكن تفهم وقتها ما الذي قصده تماما. الآن فقط أدركت المعنى.
الاعتناء بمريض في غيبوبة ليس مسألة علاج فحسب بل صبر ورعاية وصمت طويل يحمل بين طياته دعاء خفيا بأن يستيقظ يوما ما.
كتبت آنا في سجلها الملاحظات اليومية بعناية
المريض في حالة مستقرة. لا تغييرات ملحوظة. أجهزة التنفس والنبض ضمن المعدلات الطبيعية.
ثم أغلقت الدفتر ووقفت نظرت مرة أخيرة إلى غرانت كارتر وقالت بصوت خافت
نم بسلام يا سيد كارتر سنكون هنا عندما تستيقظ.
أطفأت المصباح
في الخارج كانت الممرات ساكنة إلا من وقع خطواتها وهي تسير مبتعدة تحمل في قلبها مزيجا من الراحة والإرهاق.
لم تكن تعرف إن كانت تخيلت الصوت فعلا أم لا لكنها تعلم شيئا واحدا أن الإنسان حين يظل قريبا من من لا يستطيعون الكلام يبدأ في سماع أصوات قلبه هو لا قلوبهم.
وبينما دوى جرس منتصف الليل في أرجاء المستشفى جلست آنا في غرفة الاستراحة الصغيرة أخرجت كوب قهوتها من آلة البيع وابتسمت بهدوء.
ربما لم يكن ذلك اليوم مختلفا كما ظنت في البداية
ربما كان مجرد يوم آخر من أيام العمل الطويلة.
لكن شيئا ما في داخلها تغير لم تعد ترى المرضى كملفات أو حالات بل كأرواح تنتظر من يمنحها لحظة دفء حتى لو كانت عابرة.
رفعت رأسها نحو نافذة الليل المظلمة وقالت في سرها
ربما لا يستيقظ اليوم ولا غدا لكننا سنظل نحاول.
ثم أغلقت دفترها الصغير وغادرت بهدوء تاركة خلفها المستشفى غارقا في ضوء أبيض باهت ضوء لا يرحم لكنه