سيدي هذا الطفل عاش في الميتم

لمحة نيوز

أخاه الصغير يهرب من الميتم حاملا حلم العودة إلى البيت الذي لم يعرف طريقه بعد وتساءل كم من الليالي نام جائعا وخائفا وحيدا.
طلب من الأخت كل ما لديها من أوراق تخص ذلك الصبي. بعد لحظات فتحت درجا قديما وأخرجت ملفا مهترئا وفي داخله ورقة رسم عليها طفلان يقفان أمام بيت فيه بيانو وتحته بخط طفولي مرتجف
أنا لوكاس مينيزس سيجدني أخي يوما ما.
حين قرأ آرثر تلك الجملة انهمرت دموعه لأول مرة منذ سنين طويلة. ضم الورقة إلى صدره وهمس بصوت مختنق
وجدتك يا لوكاس أخيرا وجدتك.
لكن السؤال الذي ظل ينهشه من الداخل هو أين هو الآن
هل لا يزال حيا أم أن القدر أخذه إلى مكان لا يمكن أن يصل إليه بعد الآن
رفع رأسه ونظر إلى ريتشارد الذي كان يراقب المشهد بصمت واحترام. قال له
نبدأ من هنا من هذه الورقة. أريد كل شيء عنها كل أثر كل خيط. لن أرتاح حتى أجده.
أومأ المحقق بهدوء وأغلق الملف بين يديه وقال
سنجده سيدي آرثر. أعدك بذلك حتى لو اضطررنا لتفتيش العالم كله.
مرت الأيام التالية ثقيلة كأنها تسير على جمر الانتظار. كان آرثر يعيش بين الأمل والرهبة بين خوف أن يجد أخاه ميتا ورجاء أن يلمحه في زاوية من زوايا هذا العالم. لم يترك خيطا إلا تبعه ولا ذاكرة إلا نبشها. استعان بالمحقق ريتشارد الذي بدأ يغوص في السجلات القديمة والملاجئ المهجورة والمستشفيات الريفية باحثا
عن اسم واحد لوكاس مينيزيس.
بعد أسابيع من البحث المضني تلقى ريتشارد مكالمة من قرية نائية في ولاية ميناس. كان هناك رجل يدعى دانيال لوكاس يعيش حياة بسيطة يبيع لوحاته في الأسواق الشعبية ويدرس الرسم للأطفال في مدرسة صغيرة. أرسلوا صورا حديثة له عبر البريد الإلكتروني وما إن رآها آرثر حتى تجمد في مكانه. الوجه نفسه الملامح نفسها ولكن الزمن ترك خطوطه الحزينة على العيون. همس وهو يحدق في الشاشة
إنه هو لا شك في ذلك.
لم ينتظر لحظة. حزم أمتعته وغادر إلى القرية بنفسه ترافقه كلارا والمحقق. الطريق كان طويلا وشاقا يمر بين الجبال والوديان. وحين وصلوا إلى أطراف القرية بدت لهم بيوتها الصغيرة بلون الطين كأنها تنام في حضن الطبيعة منذ قرون. كان السوق منعقدا ذلك اليوم ووسط الزحام رأى آرثر لوحة كبيرة معلقة على جدار بسيط بيت وحديقة وبيانو أبيض في المنتصف. شعر أن قلبه توقف.
اقترب بخطوات بطيئة كأنه يخاف أن توقظه الحقيقة من حلم طال انتظاره. خلف الطاولة كان يقف رجل في منتصف الأربعين وجهه نحيل وهادئ يحمل في عينيه ذلك الصفاء الغريب الذي يشبه البراءة الأولى. رفع رأسه حين سمع وقع الخطوات ونظر إلى آرثر لحظة طويلة صامتة ثم قال بصوت مبحوح
لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة يا آرثر.
تجمد الرجلان في مكانهما وكأن ثلاثين عاما من الغياب تلاشت فجأة. لم يكن
هناك شك لم تكن هناك حاجة إلى كلمات أخرى. اندفع آرثر نحوه واحتضنه بقوة كمن يستعيد نصفه المفقود. ارتجفت أكتاف لوكاس وهو يهمس
كنت أعرف أنك ستجدني قلت لهم ذلك دائما.
بكى الاثنان كما لم يبكيا من قبل بكاء لم يكن حزنا بقدر ما كان تطهيرا لكل ما تراكم في القلب من سنين الصمت والفقد. وبعد دقائق من العناق جلسا متقابلين تحت ظل شجرة مانغو ضخمة.
قال لوكاس بهدوء
كنت صغيرا جدا حين خطفوني. لا أتذكر سوى أن امرأة غريبة جاءت بي إلى الميتم وقالت إن والدي ماتا. حاولت الهرب أكثر من مرة لكن لم يكن أحد يصدقني. وحين كبرت علمت أن الأوراق التي قدموها كانت مزورة وأن العائلة التي ربتني تبنتني ثم ماتوا في حادث. بعدها لم يعد لي مكان سوى الطرقات واللوحات. كنت أرسم البيت والبيانو كل يوم لعل أحدا يتعرف علي.
أمسك آرثر بيده وقال
لم أتوقف عن البحث عنك يا لوكاس. ظن الجميع أنني مجنون لكنني كنت أسمع صوتك في كل موسيقى أعزفها.
ابتسم لوكاس ابتسامة باهتة وقال وهو يرفع نظره إلى السماء
أمي كانت تحب الموسيقى هل لا تزال الغرفة في الطابق العلوي كما كانت
أجابه آرثر بعينين دامعتين
لم ألمسها قط بقيت كما تركناها. كل ليلة كنت أمر أمامها وأعد نفسي أن أفتح الباب فقط حين أراك مجددا.
ضحك لوكاس بخفة وقال
إذن آن الأوان لتفتح الباب يا أخي.
في تلك اللحظة شعرت كلارا التي
كانت تراقب المشهد من بعيد أن الزمن توقف. كل ما كان غامضا اتضح فجأة. لم يكن القصر القديم سوى مرآة لروح فقدت نصفها واستعادته بعد عمر من الانتظار.
بعد أيام عاد الأخوان إلى القصر. كانت الجدران القديمة تستقبل خطواتهما بصمت مشبع بالدهشة. في الممر الطويل توقف لوكاس أمام البيانو الأبيض مد يده بخفة على المفاتيح فخرج لحن مألوف بسيط لكنه مليء بالحياة. جلس آرثر إلى جانبه وتبعه بالنغم ذاته. امتزج صوت البيانو بصوت ضحكهما كما كانا يفعلان في الطفولة.
دخلت كلارا الغرفة بصمت تحمل كأسين من الشاي وقالت
لم أسمع هذا المكان حيا هكذا منذ أن جئت إليه.
أجابها آرثر بابتسامة رقيقة
لأنه لم يكن ينقصه سوى صوته.
نظر لوكاس حوله وقال
البيت لم يتغير كثيرا فقط نحن من تغيرنا.
اقترب منه آرثر وربت على كتفه قائلا
لا نحن لم نتغير نحن فقط عدنا لنتذكر من نكون.
وفي تلك الليلة جلس الأخوان على الشرفة المطلة على الحديقة. المطر بدأ ينهمر بخفة والهواء امتلأ برائحة الأرض. أخرج لوكاس ورقة صغيرة من جيبه كانت هي نفسها التي كتبها وهو طفل سيجدني أخي يوما ما. وضعها على الطاولة وقال مبتسما
أظن أنني كنت محقا.
رد آرثر وهو يمد يده ليصافحه
نعم وجدتك يا أخي وهذه المرة لن أتركك تضيع ثانية.
وخارج القصر كانت السماء تمحو غبار الأعوام بقطراتها كأنها تشهد على ميلاد جديد لعائلة
لم تمت بل كانت تنتظر لحظة عودتها إلى النور.

تم نسخ الرابط