تلات أطفال لوحدهم في شقة متجمدة في قلب نيويورك

لمحة نيوز

المدينة البعيدة.
بيقول لنفسه نفس الجملة اللي كانت بتخليه يعيش كل يوم 
ماما جاية بكرة.
يمكن هو عارف إنها مش راجعة بس في قلبه الصغير محتاج يصدق ده عشان يقدر يكمل.
وبين صوته المنكسر وضوء الشارع اللي بينعكس على الإزاز 
فضلت الجملة دي تتردد كأنها وعد من طفل للحياة 
إنه رغم البرد والجوع لسه فيه أمل صغير بيحارب جواهم.
لأن في مدن كبيرة زي نيويورك 
أوقات البرد مش بيكون في الشوارع
بيكون جوه القلوب.
مرت الشهور وكل حاجة كانت ماشية ببطء كأن الزمن اتعب من نفسه.
في دار الرعاية الأيام شبه بعضها الوجوه بتتبدل بس الإحساس هو هو برد وغربة وسكون.
ميا بدأت تتأقلم شوية تحضر حصص الرسم تضحك أحيانا لما تشوف القطط الصغيرة في الحديقة 
لكن إيثان
كان ساكت دايما.
وشه اتغير كأنه كبر سنين في كام يوم.
المشرفين كانوا بيحاولوا يكلموه يخرجوه من الصمت اللي حابس نفسه فيه 
بس هو كان دايما هناك واقف عند الشباك 
بيبص على المدينة من بعيد كأنه بيستنى حد.
حد عمره ما رجع.
في يوم دخلت الدكتورة المسؤولة عنهم وقالت له 
إيثان مامتك خلاص خرجت من السجن. بتحاول تشوفك.
سكت.
ما اتكلمش ولا حتى بص ناحيتها.
ميا رفعت راسها من الكراسة وسألته بخفة 
هنشوفها بجد
إيثان قال بهدوء متعب 
مش عارف يا ميا مش عارف لو عايز أشوفها ولا لأ.
في اليوم اللي بعدها جت الأم.
هدومها بسيطة ملامحها منهارة 
بس في عينيها
وجع ملوش اسم.
دخلت الأوضة شافتهم قاعدين في الركن.
إيثان ما قامش 
بس ميا جريت عليها بحماس طفلة لسه مصدقة إن الأم بتشيل الوجع .
الأم دموعها نازلة على شعرها الصغير.
بصت على إيثان وقالت بصوت بيرتعش 
أنا آسفة يا حبيبي والله ما كنت عايزة أسيبكم كنت بحاول...
هو رفع عينه بصعوبة نظرة فيها وجع وغضب واشتياق في نفس الوقت وقال بهدوء 
بس سيبتينا.
الكلمة دي نزلت عليها زي السكينة.
حاولت تبرر تحكي بس هو قام مشي ناحية الباب وقال 
أنا محتاج هوا.
خرج وسابهم جوه ووقف في الممر الطويل 
الأنوار خافتة والبرد بيزحف في المكان بس هو كان شايف حاجة تانية.
كان شايف ليلي.
واقفاله هناك عند آخر الطرقة بنفس فستانها الأزرق اللي كانت لابساه في آخر ليلة.
ابتسمت له وقالت 
ما تزعلش يا إيثان إحنا كويسين.
غمض عينه دمعة نزلت بهدوء ولما فتحها كانت اختفت.
من اليوم ده قرر إيثان إنه مش هينام على الحزن تاني.
بدأ يساعد في المطبخ بتاع الدار 
يغسل الصحون يساعد الأطفال الصغيرين.
الدكتورة كانت بتلاحظ إن في حاجة بتتغير فيه حاجة بسيطة بس حقيقية.
بقى يتكلم شوية 
ويحكي لميا قبل النوم قصص من خياله دايما فيها بنت صغيرة اسمها ليلي بتعيش في مكان جميل مفيهوش برد ولا جوع.
عدى سنتين.
ميا كبرت وشعرها بقى أطول بقت تضحك أكتر.
إيثان دخل مدرسة وكان شاطر جدا.
المدرسين بيقولوا عليه ولد عنده طموح غريب 
بس محدش عارف
إن كل خطوة بياخدها في حياته 
هو بيهديها لأخته اللي راحت.
الأم كانت بتحاول تقابلهم كل فترة 
لكن العلاقة ما رجعتش زي زمان.
إيثان سامحها في قلبه بس ما قدرش ينسا.
مش لأن قلبه قاسي 
بس لأن الجرح أعمق من الكلام.
وفي ليلة مطرها كان شبه الليلة الأولى 
إيثان قاعد في غرفته الصغيرة في دار الرعاية 
بيكتب في دفتر قديم سابهوله واحد من المتطوعين.
كتب جملة طويلة وبعدين مسحها 
وكتب جملة تانية 
أوقات الناس بتختفي مش لأنها عايزة تختفي بس لأنها ضعفت 
وأوقات الأطفال بيكبروا فجأة لأنهم اضطروا يحموا نفسهم قبل ما الدنيا تبلعهم.
قفل الدفتر وبص من الشباك على أنوار نيويورك 
المدينة اللي ما بترحمش 
بس اللي علمته إزاي يفضل عايش مهما اتكسر.
في يوم تاني جه فريق تصوير من قناة تلفزيونية يعملوا تقرير عن الأطفال اللي فقدوا ذويهم بسبب الفقر.
اختاروا إيثان وميا كأمثلة على القوة بعد الألم.
ولما المذيعة سألته قدام الكاميرا 
لو مامتك دلوقتي قدامك تقولها إيه
سكت ثواني وبص للمذيعة بعينين ناضجين أكتر من عمره وقال 
هقولها إننا بخير وإن ليلي وحشاني.
وهقولها إنها لو كانت هنا النهارده كنت هخليها تشوف إننا بقينا قويين.
بس كمان هقولها إننا لسه مستنيين مش عشان ترجع 
عشان احنا بقينا أقوى.
الكلمة دي خلت القاعة كلها تسكت.
المذيعة دمعت والمخرج ما قدرش يقول اقطع.
وفي الخلفية ميا
كانت ماسكة الدبدوب القديم بتاع ليلي 
بتبتسم ابتسامة صغيرة فيها وجع وحنية في نفس الوقت.
بعدها بكم شهر اتبنتهم عيلة بسيطة من ضواحي نيوجيرسي.
بيت صغير حديقة ومدرسة قريبة.
كانت بداية جديدة.
بس إيثان كل ما المطر ينزل كان بيقف عند الشباك 
يبص للسما ويسمع في خياله ضحكة ليلي.
كان دايما يقول لميا 
شايفة المطر كل نقطة بتنزل دي ممكن تكون رسالة منها.
فتضحك وترد عليه 
يمكن فعلا عشان كل مرة بيمطر فيها بحسها حوالينا.
كبروا واتعلموا وبدأوا حياتهم من الأول.
بس اللي اتعلموه عن الحب والخوف والمسؤولية 
خلاهم ناس مختلفة.
ميا بقت فنانة بترسم وجوه أطفال في البرد 
بتسمي لوحاتها الدفا المفقود.
وإيثان بقى متطوع في جمعية لرعاية الأطفال المشردين 
كل مرة بيقابل طفل تايه بيحضنه ويقوله 
ما تخافش في بكرة حتى لو لسه بعيد.
وفي آخر ليلة من السنة وقف في الشارع المطر بينزل خفيف 
رفع راسه وحط إيده على قلبه وقال بهدوء 
ليلي إحنا كملنا عشانك.
يمكن الناس شايفاه مجرد ولد نجا من مأساة 
لكن الحقيقة إنه كبر وهو شايل جواه وعد 
وعد قطعه لأخته من زمان 
إنه مش هيسيب طفل تاني يواجه البرد لوحده.
وفي مدينة نيويورك اللي لسه ضواها بينعكس على الشباك اللي كان واقف عنده زمان 
في طفل كبير اسمه إيثان 
قدر يحول وجعه لطريق ينقذ بيه غيره.
وكل مرة يسمع فيها صوت المطر 
بيبتسم
لأنه عارف إن في حتة من روحه 
لسه هناك
في الشقة المتجمدة اللي بدأت منها الحكاية 
بس المرة دي
البرد ما قدرش يكسب.

تم نسخ الرابط