طردني زوجي وافقت على الزواج من عامل بناء

لمحة نيوز

الحقيقة للأبد.
صمت لحظة ثم تابع 
أنا لست مفلسا كما تظنين. كنت مهندس إنشاءات أملك مشروعا صغيرا ومنزلا في ليبا. قبل أربع سنوات تركتني زوجتي وأخذت كل شيء حتى صكوك الملكية. كدت أنهي حياتي. ثم توفيت صاحبة عملي القديمة وتركت لي هذه الممتلكات. منذ ذلك الحين قررت أن أعيش ببساطة أعمل بيدي وأقتات من تعبي. أردت أن أبدأ من جديد لكن هذه المرة مع من ترى قيمتي لا ثروتي.
حينها لم أتمالك نفسي. دمعت عيناي وشعرت أنني وجدت أخيرا ما كنت أبحث عنه رجلا لا يملك فقط المال أو البيت بل قلبا نقيا يشبه المطر الذي غسل بدايتي الجديدة.
سكت توماس بعد اعترافه بينما كنت أحدق فيه مذهولة. لم أجد كلمات تليق بتلك اللحظة كأن كل شيء بداخلي توقف. الرجل الذي ظننته بسيطا فقيرا كان يخفي خلف مظهره المتواضع قصة حياة كاملة مليئة بالخسارة والكرامة والصبر.
سألته بصوت خافت 
ولماذا أخفيت عني ذلك كله
ابتسم ابتسامة هادئة وقال 
كنت أريد أن أعرف هل يمكن لأحد أن يحبني لذاتي لا لما أملك كنت أريد أن أبدأ من جديد مع من ترى في الإنسان لا المهندس ولا الثري ولا الفقير.
كانت كلماته تسكن أعماقي كأنها دفء يتسلل إلى قلب ظل متجمدا طويلا. في تلك الليلة أدركت أن الله أرسل هذا الرجل ليعيدني إلى
الحياة.
منذ ذلك اليوم تغير كل شيء بيننا دون أن نتحدث كثيرا. صارت نظراته تحمل طمأنينة لم أعرفها من قبل وصار بيته بيتي حقا لا مأوى مؤقتا.
كنت أستيقظ قبله بقليل أعد القهوة وأضع له الإفطار وعندما ينهض يبتسم لي قائلا 
ما أجمل أن يبدأ يومي بك.
كنت أضحك بخجل لكن قلبي يرقص سرا كل مرة يقولها.
بدأنا نحلم معا نحاول أن نبني شيئا صغيرا يخصنا نحن فقط. اشترينا قطعة أرض صغيرة بجوار السوق زرعناها بالخضراوات والفواكه وبنينا عليها بيتا خشبيا بسيطا لكنه مليء بالحياة.
كان يقول لي وهو يحمل الخشب والمطرقة 
كل مسمار أغرسه هنا وعد لك بأن هذا البيت لن ينهدم لأننا بنيناه بقلوبنا.
كنت أضحك وأرد عليه 
لكن سقفنا يسرب الماء إذا هطل المطر!
فيضحك قائلا 
المطر لا يضر من يعيش تحت سقف الحب.
مرت الشهور وبدأت أرى في عينيه بريقا جديدا. لم يكن فقط ارتياح رجل وجد السكن بل فرحة من وجد سببا ليحيا من جديد.
كان يعود من عمله متعبا فيجلس أمام البيت يشرب كوبا من الماء البارد ثم يقول وهو ينظر إلي 
أتعلمين في المرة الأولى التي رأيتك فيها شعرت أنني وجدت مكاني في العالم.
كنت أخفض نظري خجلا لكن داخلي كان يغلي بالحب.
وذات مساء جلست إلى جانبه أراقب الغروب فناولني ورقة
مطوية بعناية.
فتحتها فإذا بها سند ملكية للأرض الصغيرة التي زرعناها معا باسمي أنا. نظرت إليه في ذهول وقلت 
لماذا فعلت هذا
قال بهدوء وهو يمد يده ليلامس يدي 
لأنك لم تأخذي شيئا مني رغم أنني كنت مستعدا أن أعطيك كل شيء. أردت فقط أن أقول إن هذا المكان صار لك كما هو لي. نحن شريكان لا أحد منا يملك أكثر من الآخر.
لم أستطع أن أتمالك دموعي لكنها كانت دموع امتنان لا حزن.
وضعت رأسي على كتفه وقلت 
توماس لم أكن أظن أنني سأعرف يوما رجلا يجعلني أثق في الحياة مرة أخرى.
ربت على شعري وقال بخفوت 
ولا أنا كنت أظن أنني سأجد امرأة تجعلني أؤمن أن الخسارات ليست نهاية بل طريق إلى البداية الصحيحة.
منذ ذلك اليوم صار كل شيء مختلفا. لم يعد المال أو الماضي أو الأوجاع تهم. صرنا نعيش كما لو أننا ولدنا من جديد في عالم صغير من طين وأمل تحت سماء تمطر حبا لا يرى لكنه يشعر به.
كنا نزرع الأرض معا نضحك حين تخطئ يدي في نزع الأعشاب ويمازحني قائلا 
هكذا كنت في حياتي أيضا نزعت أحزاني دون أن تقصدي.
فأرد مبتسمة 
وأنت زرعت في السكينة دون أن تدري.
مرت السنوات وصار بيتنا الصغير ملجأ للطيور والأطفال والذكريات. لم نعد نحتاج شيئا من الدنيا سوى أن تشرق شمس كل صباح
ونحن ما زلنا معا.
وحين كانت الأمطار تهطل في الليالي كنا نجلس قرب النافذة نستمع إلى وقعها على السقف الخشبي فيقول لي مبتسما 
أتذكرين المطر لا يؤذي من يعيش تحت سقف الحب.
فأجيبه ضاحكة 
بل المطر صار أجمل لأنه يذكرني بأول يوم التقينا فيه.
وفي ليلة من ليالي ديسمبر جلسنا أمام المدفأة ويده في يدي وقال لي 
حين طردك العالم كنت تظنين أن نهايتك اقتربت لكن الحقيقة أن الله كان يعد لك بداية جديدة فقط كان ينتظر أن تفتحي قلبك في الاتجاه الصحيح.
أجبته وأنا أبتسم بعينين دامعتين 
ربما كان قلبي مكسورا كي يتسع لك.
مد يده لامس وجهي وقال 
الوطن ليس مكانا يا ميرا الوطن هو الشخص الذي لا تخافين أن تكوني نفسك أمامه.
نظرت إليه طويلا ثم قلت بخفوت 
إذا أنت وطني ولن أغادره ما حييت.
مرت أعوام بعدها لكن شيئا لم يتغير. ما زال البيت هو نفسه وما زال المطر يزورنا كل عام كصديق قديم وما زلنا نضحك تحت سقفنا الخشبي البسيط نحتسي القهوة ونحلم بما هو أبعد من المال والمكان.
الحياة لم تعد قاسية كما كانت لأنها حين كسرتني كانت تهيئني لأبعث من جديد بين يديه.
وفي كل مرة يهطل فيها المطر يمد يده نحوي ويقول بنفس صوته الدافئ 
المطر لا يؤذي من يعيش في قلب من يحبه.

فأجيبه مبتسمة 
ولا الحياة تؤذي من وجد وطنه في إنسان.

تم نسخ الرابط