زهور الجمعة… والسر الذي غيّر قلبي إلى الأبد
زهور الجمعة والسر الذي غير قلبي إلى الأبد
كنت أعرف ذلك البيت. كنت أعرف ذلك البيت أعرفه كما لو أنه نقش قديم محفور على جدار مهجور في داخلي. لم أتعرف إليه حين أبطأ دان سيارته ولا حين أوقفها بمحاذاة الرصيف بل عرفته قبل ذلك بلحظة غامضة لحظة تشبه الذاكرة أكثر مما تشبه الإدراك. عرفته من ذلك الوميض الذي ينساب على النافذة العلوية عندما تخترق الشمس ظل عمود الإنارة ومن ذلك الامتداد الخافت لصوت الريح وهي تمر عبر أوراق شجرة القيقب الطويلة عند الحافة كأنها تهمس باسم أعرفه ونسيت متى نسيته.
ترجل دان من السيارة بهدوء لم أعتده فيه. أغلق الباب ببطء ثم رفع ياقة معطفه كمن يريد أن يختبئ من العالم أو كمن يشعر بأن العالم يقترب منه أكثر مما يريد. لم يلتفت حوله لم يتردد كأنه يعرف الطريق كما يعرف المرء غرفة عاش فيها سنوات. كانت خطواته ثابتة رغم الاضطراب الذي كان يتسلل إلى صدري أنا. بدا وكأنه يعرف كيف سيضع قدمه التالية وكيف سيتقدم نحو ذلك الباب الخشبي الذي ظننت أنه خرج من حياتنا إلى الأبد وأنه لم يعد سوى فصل من الماضي فصل انتهى ولم يعد يحق لأحد أن يفتحه.
جلست في سيارتي لثوان بدت أطول من قدرتي على الاحتمال. يداي كانتا فوق المقود
ثم خرجت من السيارة.
لا أعرف كيف حدث ذلك. لعل قدمي تحركتا بلا وعي أو لعل ذلك الشغف المؤلم لمعرفة الحقيقة دفعني بقوة أشد من خوفي. وربما وربما كنت خائفة جدا لدرجة أن الخوف نفسه هو الذي دفعني إلى الأمام بدل أن يشلني.
تقدمت نحو الباب. طرقت مرة ثم مرة أخرى بقوة لم أعرف أنني أملكها. كانت يدي ترتجف لكن صوت الطرق كان ثقيلا كأنه يحمل كل ما أخشاه أن أجده خلف الباب.
وانفتح الباب.
ولكن لم تكن هي.
ظهرت أمامي امرأة لا أعرفها. وجهها بدا هادئا رغم التعب الظاهر عليه وفي عينيها مسحة قديمة من القلق كأنهما اعتادتا السهر على ألم ممتد. ابتسامتها كانت صغيرة لكنها كانت من النوع الذي يسبق الفهم ويلامس شيئا في القلب لا يعرف كيف يصفه.
قالت بصوت خافت وكأنها توقعت مجيئي قبل أن أطرق الباب
أنت زوجة دان أليس
لم يكن في صوتها قسوة ولا شك ولا حتى استجواب. كان فيه شيء يشبه الحزن أو الشفقة أو ذلك الإدراك العميق الذي لا يملكه إلا شخص رأى الكثير من الوجع حتى صار قادرا على التعرف إليه في وجه الآخرين.
أومأت برأسي. لم أستطع النطق. كانت الكلمات تتبعثر وتضيع قبل أن تصل إلى لساني.
فتحت الباب أكثر وأشارت بيدها بلطف
تفضلي دان في الداخل.
دخلت.
والبيت لم يكن بيتا عاديا. كان أشبه بمكان يلتقي فيه الزمنان الحاضر والماضي الألم والشفاء. مزيج بين بيت دافئ وغرفة علاج وساحة رقيقة ومهيأة بعناية كأن كلا من الأشياء قد وضع في مكانه ليمنح روحا مرهقة شيئا من الطمأنينة. الرائحة كانت خليطا بين مطهر خفيف ورائحة نباتات خضراء مزروعة في أوان صغيرة وشيء ثالث يشبه عطرا أعرفه أو أظن أنني أعرفه ربما من الأمس أو من زمن بعيد جدا.
ثم رأيتها.
إيريكا.
لكنها لم تكن إيريكا التي عرفتها. لم تكن المرأة التي كانت تملأ الغرفة بابتسامتها ولا تلك التي كانت خطواتها كثيرة وكلماتها ثابتة وواضحة. كانت الآن على سرير طبي رأسها مستند إلى وسادة عالية وجهاز مراقبة بسيط يلتقط أنفاسها التي تشبه الأنفاس الضعيفة لطفلة مرهقة. وجهها كان نحيفا إلى حد يوجع القلب وعيناها
وبجانبها
كان دان.
يجلس على كرسي خشبي صغير منحنيا نحوها يقرأ من كتاب أطفال ملون. صوته كان منخفضا دافئا ذلك الصوت نفسه الذي كان يقرأ به القصص لأطفالنا حين كانوا صغارا حين كانت حياتنا أبسط والعالم أقل ازدحاما بالأسئلة.
وقفت هناك عند العتبة كأنني عالقة بين عالمين.
وكانت تلك فقط البداية
وقفت عند العتبة للحظة امتدت كأنها لا تريد أن تنتهي. كنت أرى دان أراه بكل تفاصيله الصغيرة التي لم أنتبه لها من قبل انحناءة كتفيه الطريقة التي يمسك بها الكتاب ذلك الحرص الحزين في عينيه كلما رفعهما نحو وجه إيريكا ليتأكد أنها ما زالت تسمع أو على الأقل تشعر بوجوده.
كان المشهد أكبر من أن أستوعبه دفعة واحدة.
وعندما التفت فجأة نحوي شعرت بأن شيئا ما انكسر في صدره قبل صدري. رأيت في عينيه دهشة وأسفا وخوفا خوفا حقيقيا كأنه يتوقع أن ينهار شيء أمامه الآن شيء ظل يمسكه طوال الأسابيع الماضية بيده وحدها.
قبل أن أنطق اقتربت المرأة الهادئة التي فتحت لي الباب وهمست بصوت يشبه الاعتذار
إيريكا فقدت ذاكرتها بعد الحادث. لا تتذكر سنوات طويلة تتذكر طفولتها فقط. ومن طفولتها