يفقد الملياردير ذاكرته ويقضي سنوات يعيش حياة بسيطة مع امرأة فقيرة وابنتهما
يجيب
أنا نعم.
ناولوه ظرفا أبيض مختوما وقال الآخر ببرود
لقد وجدناك أخيرا سيدي. نحن من مؤسسة ماركوني شركتك السابقة.
تجمد الهواء.
فتح الظرف بيد مرتعشة فوجد صورته وملفا يحمل اسمه الكامل رافائيل ماركوني وريث واحدة من أكبر سلاسل الشركات في البرازيل رجل الأعمال الذي اختفى قبل سنوات في حادث غامض ظن الجميع أنه مات فيه.
شعر كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
عاد كل شيء دفعة واحدة الضوء الحادث الاسم الأصوات الوجوه توقيعات العقود الاجتماعات والبرج الزجاجي الذي كان مكتبه فيه.
عاد كل شيء إلا قلبه.
اقتربت ليفيا بخوف لا تعرف له اسما وقالت بصوت خافت
رافائيل هل تعرفهم
أغمض عينيه ثم نظر إليها نظرة طويلة تشبه الاعتذار
نعم أنا كنت هذا الرجل.
جلس طوال الليل عند عتبة البيت. لم ينم لم يتكلم.
في داخله حرب بين ماضيه الذي عاد يطالبه بالهوية وحاضره الذي صار موطنه الحقيقي.
كيف لرجل امتلك العالم أن يكتشف أن كل ما يريده هو بيت خشبي وامرأة تضحك بصدق وطفلة تناديه أبي
في اليوم
قالوا له إن مجلس الإدارة ينتظر عودته وإن ثروة ضخمة باسمه معلقة منذ اختفائه.
مكانك ليس هنا سيدي. العالم يحتاجك.
أجابهم بهدوء غريب
العالم لقد جربت العالم ولم أجد نفسي فيه.
لكنهم لم يرحلوا.
جاءوا بأخبار أخرى عن والدته المريضة التي ظلت تبحث عنه طوال السنوات الماضية وعن أخ يحاول السيطرة على إمبراطورية العائلة.
حين سمع اسم والدته تغير وجهه.
لم يستطع أن يختار بين الأم التي أنجبته والأم التي أنقذته.
في تلك الليلة جلست ليفيا معه في صمت طويل.
قالت له أخيرا
رافائيل يجب أن تذهب. أمك تنتظرك.
وأنتم
نحن لا ننتظر أحدا. نحن نعيش.
ليفيا أنا لا أريد المال ولا الشركات ولا المدن. أريدكما فقط.
لكن الماضي لا يمحى رافائيل. هو جزء منك كما أن هذه القرية جزء من قلبك.
كانت كلماتها ناعمة لكنها كسيف لطيف يقطع في العمق.
اقترب منها وضع يده على يدها وقال بصوت مرتجف
هل ستنتظرينني
أجابت بابتسامة حزينة
سأنتظرك
وفي الصباح رحل.
رحل تاركا وراءه بيتا ودفترا وصورتين واحدة تجمعه بليفيا وكلارا وأخرى أخذها قبل المغادرة صورة البيت وسط المطر.
مرت ثلاث سنوات أخرى.
عاد رافائيل ماركوني إلى العالم القديم بثوبه الجديد.
استعاد إدارة شركته زار والدته قبل رحيلها بأسابيع وحاول أن يرمم حياته المكسورة.
لكن كل شيء كان باهتا كأنه يعيش نسخة بلا لون.
في الاجتماعات الكبرى كان يسمع صوت المطر على الزجاج في ذاكرته وفي الحفلات الرسمية يرى وجه كلارا بين الحاضرين تضحك كما كانت تفعل في الحقل.
لم يعرف أن الشفاء ليس في استعادة ما فقد بل في العودة إلى حيث وجد نفسه لأول مرة.
وفي إحدى رحلاته السنوية إلى الجنوب قاد سيارته بنفسه دون حراسة وسلك الطريق القديم في ميناس جيرايس.
كان المطر ينهمر كما في الليلة الأولى.
توقف أمام المنعطف الذي غير مصيره ثم تابع السير حتى وصل إلى البيت الخشبي الصغير.
البيت كان كما هو لكن على الشرفة جلست امرأة تمسك بكوب من القهوة.
رفعت رأسها نحوه وابتسمت.
لم يكن هناك سؤال ولا تفسير فقط ابتسامة تساوي كل الغياب.
اقترب منها مد يده وقال بهدوء يشبه الاعتراف
عدت.
قالت
كنت أعرف أنك ستعود. المطر لا ينسى طريقه إلى الأرض.
جاءت كلارا من الداخل صارت شابة صغيرة تحمل ملامحه ودفء أمها.
اقتربت منه وقالت بخجل
مرحبا أبي.
في تلك اللحظة أدرك رافائيل أنه لم يفقد شيئا بل كان عليه فقط أن يضيع ليعرف طريقه.
جلس بينهم صامتا يستمع إلى وقع المطر على السقف وإلى ضحكة ناعمة تشق الصمت وإلى قلب ينبض بالسكينة بعد رحلة طويلة.
نظر إلى ليفيا وقال بصوت متهدج مفعم بالطمأنينة
الآن فقط أنا أتذكر من أكون.
مدت يدها ولمست وجهه برفق كما فعلت في أول ليلة وقالت له
كنت تبحث عن اسمك ووجدت قلبك.
ثم أغمضا عيونهما معا والمطر يتساقط كأنه يصفق للحكاية التي بدأت بحادثة موت وانتهت بولادة حياة جديدة.
وهكذا لم يعد الملياردير رجلا بلا ماض بل صار رجلا له بيت وحب وذاكرة اسمها ليفيا.
وفي دفتر صغير وضع على الطاولة كتبت كلارا في آخر صفحة منه
أحيانا
لأن القلب وحده يعرف الطريق.