الغسالة التي غيّرت حياتي… واليد الخفية التي أعادت لي الأمل

لمحة نيوز

الغسالة التي غيرت حياتي واليد الخفية التي أعادت لي الأمل
وما رأيته في الداخل جعل قلبي يخفق بعنف وتجمد في مكاني تماما. ما إن دفعت باب المغسلة الحديدي المتهالك ودخلت حتى تجمدت في مكاني كأن الهواء انكمش فجأة من حولي وكأن حرارة الدم في عروقي توقفت عند نقطة واحدة لا تتزحزح. لم يكن المشهد أمامي يشبه ما تركته قبل أن أغفو بدقائق ولا يشبه أي شيء توقعته حتى في أكثر لحظاتي تعبا أو أوهاما.
الغسالة التي وضعت فيها ملابسنا قبل ساعات قليلة لم تعد كما كانت. لم يكن فيها أي أثر لقمصان ويلو الصغيرة ولا ملابسي الرخيصة التي اعتدت غسلها هنا لأن الغسالة المنزلية تعطلت منذ أشهر ولم نملك ثمن إصلاحها. كانت الغسالة ممتلئة حتى حافتها ولكن ليس بالملابس بل بأشياء جديدة تماما مرتبة بعناية دقيقة كأن يدا لا أعرفها وضعتها قطعة بعد قطعة بترتيب يحرص ألا تتكدس الأشياء فوق بعضها.
في المقدمة كان هناك كيس ضخم من حفاضات الأطفال من النوع الكبير الذي لا أذكر يوما أنني استطعت شراءه. خلفه عبوتان كبيرتان من حليب الأطفال الفاخر ذلك النوع الذي كنت أمر أمامه في الممر الخامس من السوبرماركت أقرأ ثمنه أبتلع غصة ثم أمضي وكأنني لم أره. وبجانبهما

مناديل رطبة جديدة ومرطب للأطفال وزجاجة شامبو خفيف برائحة اللافندر رائحة هادئة كأنها مصممة لتعيد قلبي المتعب إلى الأرض.
لكن ما جعل أنفاسي تتقطع حقا كان تلك اللعبة القطنية الصغيرة فيل رمادي بأذنين طويلتين يشبه اللعبة التي كانت تسعد ويلو كلما مررنا بجانب رف الألعاب اللعبة التي كانت تضحك لها ثم تتركها لأنني لم أملك ثمنها. لم أشترها يوما ومع ذلك ها هي أمامي كأن شخصا ما يعرف تماما ما تحتاجه طفلتي وما عجزت أنا عن شرائه.
وبين كل تلك الأشياء كانت هناك بطانية صغيرة مطوية بعناية. بطانية بلون دافئ ناعمة كأنها قطعة من حنان قديم. لم أر مثلها منذ سنوات طويلة منذ أن كنت طفلة أستلقي بين ذراعي أمي وأنا أحمل بطانيتي الصغيرة التي كانت تسرب الأمان إلى قلبي بطريقة لا تستطيع الكلمات تفسيرها.
ثم انتبهت لورقة صغيرة مطوية بعناية وضعت فوق كل تلك الأشياء كأنها التاج فوق هدية عظيمة. مددت يدي ببطء شديد شعرت أن الهواء صار أثقل وأن حركة أصابعي تحتاج قوة لم أعرف من أين أجلبها. فتحت الورقة كان الخط بسيطا وهادئا وعدد الكلمات قليلا لكن وقعها على صدري كان أشبه بصدمة هادئة صدمة تشبه لحظة اعتراف مفاجئ بالحقيقة
من أجلك أنت وابنتك.
ج.

وقفت هناك وجسدي كله يرتجف والورقة تنزلق بين أصابعي كأنها نحيلة أكثر مما يحتمله قلبي في تلك اللحظة. لم أفهم شيئا. لا كيف حدث هذا ولا من هذا ج ولا لماذا اختارني أنا تحديدا. كنت منذ شهور أبحث عن فسحة صغيرة ألتقط فيها أنفاسي دقيقة واحدة فقط لا أشعر فيها أن الحمل يكسر ظهري. لم أتوقع أبدا أن تأتي تلك الدقيقة داخل مغسلة مهجورة في صباح بارد كهذا.
نظرت حولي. المكان كان خاليا تماما لا صوت إلا الطنين الخافت لضوء النيون المعلق فوق رأسي يلمع ويخفت بطريقة توحي بأن هذا المكان شهد أكثر مما يبدو عليه. شعرت أن الزمن انكمش للحظة كأن الحياة مدت يدا خفية وقالت لي لا تتركي نفسك تسقط ما زال هناك من يراك.
حملت الأشياء واحدة تلو الأخرى ببطء وضعتها في حقيبتي الكبيرة ثم حملت ويلو بين ذراعي. كانت نائمة بسلام خدها الصغير يستند إلى صدري كأن العالم كله مجرد ستارة بعيدة لا تعنيها. خرجت من المغسلة بخطوات متعثرة لكن ثقلها كان جديدا ليس ثقل التعب بل ثقل الامتنان.
عندما وصلت إلى المنزل كانت أمي مستيقظة تجلس على طرف السرير ترتب شعرها كما كانت تفعل دائما في شبابها. وما إن رأت عيني المنتفختين ويدي المملوءتين بالأغراض حتى وضعت يدها
على فمها وقالت بصوت اختلط فيه الذهول بالقلق
يا إلهي من فعل هذا
وضعت الأشياء أمامها بصمت ثم ناولتها الورقة الصغيرة. قرأتها ببطء ثم رفعت عينيها إلي بنظرة لم أنسها أبدا نظرة فيها حنان امرأة رأت أكثر مما يجب وفيها قلق أم تعرف أن ابنتها تحمل أعباء أكبر مما تستحق وفيها أيضا ألم خفي لا تقوله الأمهات إلا بعيونهن.
قالت بصوت مرتجف
ما زال في الدنيا خير يا ابنتي وما زال الله يرسل لك رسائل صغيرة كي تكملي. لا تتوقفي أبدا.
علقت الورقة بمغناطيس صغير على شكل زهرة عباد الشمس فوق الثلاجة. أردت أن أراها كل يوم. أردت أن أصدقولو مرة واحدة أن هذا العالم لا يزال قادرا على الرحمة.
مرت الأيام. عدت إلى عملي أعود منهكة أساعد أمي أحمل ويلو أستحم بسرعة ثم أنهار على السرير. كنت أظن أن ما حدث في المغسلة مجرد صدفة استثنائية لن تتكرر.
لكنني كنت مخطئة.
في صباح آخر بعد مناوبة طويلة جعلت قدمي ترتجفان من الإرهاق وصلت إلى باب شقتي وأنا لا أفكر إلا في أن أضع رأسي لدقائق. ولكن ما إن رفعت الممسحة لأخرج المفتاح حتى لاحظت شيئا غريبا عند العتبة شيء لم يكن هناك حين غادرت.
سلة خوص جميلة مربوطة بشريط قماشي بسيط لكنها مرتبة بطريقة تشعر بالنبل
قبل أن تشعر بالدهشة. جثوت
تم نسخ الرابط