الغسالة التي غيّرت حياتي… واليد الخفية التي أعادت لي الأمل

لمحة نيوز

بقيت واضحة كما كانت في اليوم الأول
من أجلك أنت وابنتك.
ج.
لمست الورقة بأطراف أصابعي ذات مساء وشعرت بالدموع تتجمع في عيني مجددا. لم تكن دموع حزن بل دموع امتنان خالصامتنان لأن الخير الذي كنت أظنه انتهى عاد. لأن اللطف الذي ظننته يتلاشى وجد طريقه إلي مرة أخرى.
وبينما الأيام تسير كانت علاقتي بجاكسون تتخذ شكلا غريبا. ليست علاقة صداقة بالمعنى المباشر ولا علاقة رسمية ولا حتى علاقة متبادلة بين شخصين يخططان للمستقبل. كنا فقط نلتقي في منتصف الطريق هو يأتي ومعه شيء يحتاجه البيت أو إصلاح بسيط وأنا أفتح الباب بابتسامة قصيرة وأشكره ونقف لثوان نتحدث عن الطقس أو العمل أو ويلو التي بدأت تقول أولى كلماتها.
كان هناك تواطؤ صامت بيننا
لا أحد منا يذكر الماضي ولا أحد يخطط للمستقبل.
نحن نكتفي بما تمنحه اللحظة.
وذات مساء وبينما كانت أمي تطهو الحساء
في المطبخ جلست على الأرض ألعب مع ويلو حين سقطت اللعبة من يدها وتدحرجت إلى زاوية الغرفة. زحفت ويلو خلفها لكنها اصطدمت بدرج مكسور كان يؤذيني منذ شهور. في اللحظة نفسها طرق الباب.
فتحت فوجدت جاكسون يقف هناك يحمل حقيبة أدواته كعادته. نظرت إليه وضحكت قائلة
هل أصبحت تشم رائحة الأشياء المكسورة من بعيد
ابتسم قليلا ابتسامة صغيرة تسبق الخجل الذي يلون خديه دوما وقال
ظننت أن الدرج يحتاج إصلاحا.
أذنت له بالدخول وعندما انشغل هو بإصلاح الدرج جلست أمي على الكرسي القريب وبدأت تنظر إليه بالطريقة التي تنظر بها الأمهات إلى الرجال الذين يظهرون في حياة بناتهن دون إعلان. وبعد دقائق قالت له بصوت لطيف لكن مباشر
جاكسون ألا تتعب من كل هذا
رفع رأسه مسح الغبار عن يديه وقال
اللطف لا يتعب يا ماما. الناس هم الذين يتعبون منه.
ضحكت أمي وضحكت معه بينما شعرت أنا
بأن قلبي يتسع قليلا في صدري كأن الهواء صار أخف أو كأن شيئا ما تحرر بداخلي.
مرت أسابيع أخرى ثم جاء يوم لم أتوقعه. كنت أعود إلى البيت ومعي ويلو والسماء تمطر رذاذا خفيفا. عندما صعدت الدرج وجدت جاكسون واقفا أمام باب شقتي يمسك شيئا بين يديهصندوقا صغيرا ملفوفا بعناية.
قال بصوت منخفض
هذا ليس هدية. فقط شيء رأيته واعتقدت أنه ربما يفيدك.
أخذت الصندوق وفتحته. كانت بداخله بطاقة مكتوب عليها بخط أنيق
مواعيد نوم الأطفال وتنظيمها.
ثم كتاب صغير وعدة ليلية للأطفال وزجاجة زيت خفيف للراحة.
لم أستطع منع دموعي. ليس لأن الهدية غالية بل لأنها لم تكن هدية أصلا كانت ملاحظة. كانت رؤية. كانت عناية من شخص يراقب تعبك دون أن تشرحيه ويستبق حزنك دون أن تعترفي به.
قلت له بصوت مرتجف
جاكسون لماذا تفعل كل هذا
تردد قليلا ثم قال تلك الجملة التي لم أنسها أبدا
لأنك
كنت أول من قال لي أنت تستحق أن تكون هنا.
لم أعرف ماذا أقول. الكلمات علقت في حلقي. كنت أظن دائما أن اللطف الذي قدمته له في المدرسة كان شيئا صغيرا كلمة ابتسامة دفعة معنوية لولد خجول. لم أدرك يوما أن الكلمات الصغيرة تكبر مع الزمن وتعود إلينا في شكل حياة كاملة.
مرت أشهر أخرى. الحياة صارت أكثر هدوءا وأكثر احتمالا. جاكسون ظل يأتي ويساعد ثم يغادر. لم نتحدث عن علاقة ولم نختلق قصصا ولم نحمل الأمور أكثر مما تحتمل.
لكنني عرفت شيئا واحداشيئا لا يحتاج إعلانا ولا وعدا
بعض اللطف لا يختفي.
بعض اللطف يدور حولنا ينتظر اللحظة المناسبة ليعود.
وأحيانا يعود إلينا في صورة شخص لم نتوقع أن نلتقي به أبدا.
وفي مساء هادئ بينما كانت ويلو نائمة وقفت أمام الثلاجة مجددا. الورقة الصغيرة ما تزال معلقة وحروف ج ما تزال تنظر إلي بذلك الهدوء القديم. لمستها بلطف
ثم ابتسمت.
لقد عاد اللطف.
ولم أعد وحدي.

تم نسخ الرابط