ابن عاملة تجمع القمامة وقف يوم تخرجه وقال جملة واحدة جعلت الجميع يبكون

لمحة نيوز

ابن عاملة تجمع القمامة وقف يوم تخرجه وقال جملة واحدة جعلت الجميع يبكون
ساد الصمت في القاعة لحظات بدت وكأن الزمن توقف فيها عن الحركة. كانت العيون كلها معلقة بميغيل الشاب النحيل الذي وقف على المسرح بثيابه المتواضعة كأنه يحمل فوق كتفيه تاريخا بأكمله لا مجرد سنوات دراسة. 
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول جملة واحدة إلى زلزال يهز القلوب ويعيد تعريف معنى الفخر والإصرار.
حتى أولئك الذين اعتادوا السخرية منه والذين لم يروا فيه سوى ظل باهت على أطراف الصفوف وجدوا أنفسهم فجأة صامتين يطأطئون رؤوسهم خجلا كأن كلماته كانت مرآة عاكسة لقسوتهم تكشف زيف نظرتهم دون رحمة.
في آخر القاعة جلست أمه على المقعد الخشبي المتآكل تضع يدها على فمها كأنها تخشى أن ينفجر قلبها من شدة الفخر.
كانت الدموع تتساقط على بلوزتها القديمة التي التصق بها غبار الأيام تلك البلوزة التي كانت يوما ما رمز فقرها وبساطتها أصبحت الآن وساما من الشرف تحكي قصة امرأة لم تستسلم امرأة واجهت الحياة وحيدة لكنها لم تفقد يوما إيمانها بابنها.
نزل ميغيل من على المنصة والقاعة لا تزال تهتز بالتصفيق لكنه لم يسمع شيئا.
كانت العيون كلها تلاحقه إلا أنه لم ير سوى وجه واحد وجه أمه.
كان يمشي بخطوات ثابتة نحوها كأن

الأرض تفسح له الطريق احتراما.
وحين وصل إلى الصف الأخير انحنى أمامها وقدم لها شهادة التخرج بيد مرتجفة وهمس بصوت خافت متهدج
هذا لك يا أمي هذا تعبك أنت.
لم تنطق المرأة بكلمة فقط  بقوة تشبه قوة الحياة ذاتها قوة أم قضت عمرها تحارب العالم لتمنح طفلها مستقبلا قوة جعلت الفقر يبدو ضعيفا أمام عظمة قلبها.
في تلك اللحظة لم يعد في الدنيا شيء سوى ذاك العناق عناق يختصر سنين الجوع والدموع والليالي الطويلة التي لم تنم فيها خوفا عليه.
وبعد انتهاء الحفل خرجا معا إلى ساحة الجامعة الواسعة.
كانت الشمس تميل نحو المغيب تغمر المباني القديمة بضوء ذهبي يجعلها تبدو كأنها لوحات مرسومة بالحنين.
وقف ميغيل يتأمل المكان بعينين دامعتين كأنه لا يزال يخشى أن يستيقظ من حلم جميل طال انتظاره.
تذكر الليالي التي كان يجمع فيها الكتب الممزقة من القمامة ليقرأها تحت ضوء المصباح المائل وتذكر كيف كان يمر بجانب أسوار الجامعة نفسها ينظر إلى الداخل بشوق يوجعه متمنيا أن يكون في يوم من الأيام واحدا من أولئك الطلبة الذين يحملون كتبهم بثقة.
واليوم ها هو يقف داخلها لا كمتفرج بل كخريج يحمل شهادة بين يديه.
اقتربت أمه منه وضعت يدها على ذراعه بحنان يغمره الدفء وقالت بابتسامة فيها دهشة وارتجاف
ما
كنت أظن أنني سأراك هنا يوما يا ميغيل بين هؤلاء الذين درسوا وتعلموا وأنت كنت تدرس وإحدى يديك تمسك كيسا من البلاستيك بدلا من الدفتر.
ابتسم ميغيل برقة ورفع يدها إلى صدره قائلا بصوت يملؤه الحب والامتنان
كنت أمشي يا أمي لكنك أنت التي دفعت بي إلى الأمام. لولاك ما كنت وصلت إلى هذا المكان.
وبينما هما يتحدثان اقترب منهما رجل في منتصف العمر يرتدي بدلة بسيطة ويحمل حقيبة جلدية بنية.
كانت ملامحه تنبض بالوقار وعيناه تشعان بصدق نادر.
مد يده نحو ميغيل وقال بابتسامة دافئة
أنا الأستاذ راموس مدير مدرسة في الضاحية الشرقية. كنت في القاعة وسمعت كلمتك المؤثرة. نحن بحاجة إلى معلمين يملكون هذا القلب وهذه الروح. أريدك أن تعمل معنا.
تجمد ميغيل في مكانه لم يصدق ما يسمع كأن السماء فتحت له بابا جديدا في لحظة لم يكن يتوقعها.
نظر ميغيل إلى أمه فرأى دموعها تبدأ من جديد لكنها لم تكن تلك الدموع التي عرفها طوال حياته دموع الحزن والخذلان والحرمان بل كانت دموعا مختلفة دافئة تشبه النور حين يلمس الظلمة لأول مرة. كانت دموع الانتصار.
ابتسم وهو يشعر أن شيئا في داخله اكتمل وكأن القدر الذي ظل ينتظره بصبر طويل قد جاء أخيرا.
قبل العرض دون تردد كأن يدا خفية رسمت له هذا الطريق منذ زمن.

وفي الأيام التالية بدأ ميغيل رحلة جديدة لم تكن رحلة هروب من الفقر كما اعتاد بل رحلة عودة إلى الجذور إلى الحي الذي خرج منه إلى الأطفال الذين يشبهونه.
أولئك الذين يجلسون في مؤخرة الصفوف يحاولون الاختباء من نظرات الآخرين الذين يرحلون في آخر الحافلة كي لا يشم أحد رائحة ملابسهم القديمة.
كان يدخل الفصل وابتسامته تسبق خطواته يشرح الدروس بحماس لا يخبو كأنه يريد أن يعطي لكل طفل ما كان يتمنى أن يحصل عليه ذات يوم.
وبعد انتهاء الحصص كان يجلس مع الأطفال الخجولين الذين لا يجرؤون على رفع أيديهم يتحدث إليهم بصوته الهادئ ويخبرهم عن نفسه.
عن الليالي التي كان يدرس فيها على ضوء شمعة ضعيفة وعن الأيام التي كان يعود فيها إلى البيت خالي المعدة مكتفيا بنظرة أمه التي كانت تطعمه بالصبر بدل الخبز.
عن قلبها الذي لم يعرف الاستسلام يوما والذي جعل منه رجلا يرى في كل طفل فقير مشروع معجزة صغيرة تنتظر أن تمنح فرصة.
وذات يوم بعد انتهاء الدوام وبينما كان يغلق باب المدرسة لمح طفلا صغيرا يقف خارج السور يحمل كيسا ممتلئا بالزجاجات الفارغة.
كان الطفل واقفا على الرصيف يراقب الطلاب الخارجين من المدرسة بنظرة فيها شوق ووجل.
اقترب منه ميغيل وسأله بلطف
هل تريد الدخول إلى المدرسة
هز
الطفل رأسه نافيا وقال بصوت خافت
تم نسخ الرابط