عروس التاسعة عشر سنة واللغز الذي أخفته ليلة الزفاف في قصر الشيخ طارق بن مالك
الآن يا يوسف.»
ساد صمتٌ قاتل، حتى دقّات الساعة في الجدار بدت وكأنها توقّفت.
رفع زين الملف بين يديه، أغلقه بعنف، ثم وقف ينظر إليها من علٍ، بعينٍ لا تحمل غضبًا ولا شفقة، بل شيئًا أعمق… وأخطر.
ــ إيميلي… أبي قتل يوسف.
مدّ يده، رفع وجهها برفقٍ قاسٍ، رغم مقاومتها، وقال الجملة التي غيّرت مسار كل شيء:
ــ وأنتِ الشاهدة الوحيدة.
ارتجفت أنفاسها، وانسكبت دموعها بصمت، بينما هو أكمل بنبرةٍ حديدية:
ــ وهذا يعني… أنك لست بريئة.
اقترب منها حتى كاد يلمسها، وصوته صار همسًا عميقًا يزلزل روحها:
ــ أنتي شاهدتي.
لم تستطع رفع رأسها.
كانت كلماته تدور حولها كدوّامة عاصفة، كأنها انزلقت من قمة جبل وعلقت بين الصخور، لا تعرف أين ستقع، ولا كيف ستنجو.
بقي زين واقفًا أمامها، كتفاه مشدودتان، أنفاسه متوترة، وصوته الداخلي يصرخ أكثر مما يُظهر.
كان ينظر إليها، لا كأنها امرأة، بل كجسرٍ يقوده إلى الحقيقة التي طاردها سبع سنوات.
همست إيميلي بصوتٍ مكسور، دون أن ترفع عينيها:
ــ كنت أريد فقط أن أهرب… كنت خائفة… ثم رأيت يوسف يسقط أمامي…
توقفت، شهقت بقوة، وضعت يدها على صدرها كأنها تمنع قلبها من الانفجار.
نظر زين نحوها بحدة، لكنه فجأة شعر بشيءٍ غريب…
كان في صوتها ذلك الارتجاف الحقيقي الذي لا يمكن اصطناعه، تلك النبرة التي تنزف خوفًا، والدموع التي سقطت بلا إذن، لا تمثيل فيها ولا تزييف.
جلس على الكرسي المقابل، عينيه مثبتتان عليها، فيهما شرر من أسئلة لا تهدأ ولا تنتهي.
قال بصوت حاول أن يبدو ثابتًا، لكنه لم يستطع إخفاء الاضطراب الذي يسكنه:
ـ إيميلي... هناك شيء ناقص.
سكت لحظة ثم تابع وهو يحدّق في الأرض كأن الكلمات نفسها ثقيلة على لسانه:
ـ هناك تفصيلة واحدة فقط تغيّر كل شيء.
يوسف... لم يكن مجرد خادم.
رفعت رأسها ببطء، الدموع تلمع على وجنتيها، وصوتها خرج متقطعًا بين الدهشة والرهبة:
ـ ماذا تعني؟ من كان إذًا؟
زفر زين أنفاسه ببطء، ورفع عينيه إليها، وقد امتلأ وجهه بشيء يشبه الاعتراف المؤلم.
ـ يوسف كان أقرب الناس إلى والدي، أكثر مما تخيلتِ.
كان يثق به في كل صغيرة وكبيرة، يعرف عنه ما لا يعرفه أحد.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق:
ـ لكنه أيضًا... كان الشخص الوحيد
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية:
ـ يخشاه؟! لماذا؟ يوسف لم يكن إلا شابًا بسيطًا!
ابتسم زين ابتسامة شاحبة، أقرب إلى السخرية منها إلى الفرح، وقال ببطء:
ـ لأن يوسف كان يملك أوراقًا.
ترددت الكلمة على شفتيها كأنها لا تستوعب معناها بعد:
ـ أوراق؟
ـ نعم... مستندات، وثائق، أسرار.
أشياء لو خرجت للنور، لانهارت سمعة والدي وكل ما بناه خلال حياته.
شهقت إيميلي، بينما تابع زين، وصوته يتهدج كأن الكلمات تخرج من جرح قديم:
ـ يوسف كان يعرف كل شيء.
صفقات مشبوهة، تحويلات مالية غير قانونية، وعلاقات مظلمة مع رجال سلطة.
كان يرى الفساد بعينيه، وشهد عليه صامتًا... إلى أن قرر أن يتكلم.
ـ أراد أن يفضح كل ذلك؟
ـ نعم.
وعندما علم والدي... هدّده.
تلك الليلة التي سمعتِ فيها الأصوات، كانت لحظة المواجهة بينهما.
وضعت يدها على فمها، وعيناها اتسعتا كأنها ترى المشهد أمامها من جديد.
صوت الأبواب، الجدال، ثم الصمت المفاجئ... ثم السقوط.
وقف زين فجأة، عروقه بارزة وصوته يرتفع مع أنفاسه المتلاحقة:
ـ لو تجرأ يوسف على الكلام، لانتهى كل شيء!
اقترب منها خطوة، وانخفض صوته حتى صار أقرب إلى الهمس:
ـ ووالدي لم يكن ليسمح بذلك أبدًا.
همست إيميلي بصوت متقطع:
ـ هذا يعني... أن والدك هو من قتله؟ وليس أنا؟ أليس كذلك؟
لم يُجبها فورًا، بل حدّق في عينيها طويلاً ثم قال ببطء:
ـ ربما... لكن هناك ما هو أعقد من ذلك.
ـ ماذا تعني؟
اقترب منها أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تلامس وجهها، وقال بصوت خافت:
ـ والدي لم يغادر جناحه في تلك الليلة.
تراجعت خطوة إلى الوراء، كأن الكلمة أصابتها في صدرها.
ـ هذا مستحيل! أنا سمعت صوتين يتشاجران! كانا اثنين، أنا متأكدة!
هزّ رأسه بهدوء، وملامحه غارقة في الظلال:
ـ ما سمعتِه لم يكن الحقيقة الكاملة.
هناك شخص ثالث كان في الجناح تلك الليلة.
تجمّدت ملامحها، وكأن الأرض انزلقت من تحتها.
ـ شخص ثالث؟ من؟
قالها بهدوء شديد، نبرة صوته تقطر سُمًّا ووجعًا في الوقت نفسه:
ـ شخص لم أظن يومًا أنه قد يتورط.
شخص لا أحد يمكن أن يشك فيه... حتى والدي نفسه.
توقف، ثم نطق الكلمة التي أسقطت الهواء من الغرفة:
ـ أختي.
ركعت إيميلي على الأرض، جسدها يرتجف، وصوتها خرج بالكاد:
ـ
أومأ زين ببطء.
ـ نعم. كانت هناك.
لم تكن مجرد شاهدة.
كانت السبب.
شهقت وهي تضع يديها على وجهها، والدموع تنهمر بغزارة:
ـ مستحيل... سارة؟
اقترب زين منها أكثر، وصوته بدأ يتكسر شيئًا فشيئًا:
ـ هي التي أوقفت يوسف، وهي التي ضربته.
أما أبي... فقد وصل بعد فوات الأوان.
نظرت إليه بخوف لا يوصف:
ـ كيف عرفت؟
مدّ يده إلى جيبه، وأخرج ورقة مطوية، قديمة متهالكة الأطراف، وقال:
ـ قبل أن يموت يوسف، ترك هذه الورقة تحت باب غرفة والدي.
فتحها ببطء، وناولها لها.
كانت يداه ترتجفان للمرة الأولى.
على الورقة كلمة واحدة فقط: سارة.
لم تستطع إيميلي القراءة، انهمرت دموعها حتى غيّبت الحروف.
سقطت الورقة من يدها، بينما قال زين بصوت منكسر لا يشبه صوته الأول:
ـ قضيت حياتي أظن أن والدي هو الوحش...
ربما كان كذلك، لكنه لم يكن قاتلاً تلك الليلة.
رفعت نظرها إليه، وعيونهما التقت للحظة طويلة، كأن الحقيقة صارت جدارًا بينهما.
قال بصوت خافت لكنه حاسم:
ـ أختي هي من قتلت يوسف.
ارتجف صوتها وهي تهمس:
ـ وماذا يعني هذا الآن؟
اقترب زين خطوة بخطوة، وقال ببرود يخفي النار تحته:
ـ هذا يعني أنك لم تكوني ضحية تلك الليلة يا إيميلي...
كنتِ جزءًا من الخطة.
انهارت تمامًا، جلست على الأرض، أنفاسها متقطعة ودموعها تغسل وجهها.
أما هو، فوقف صامتًا، عيناه معلقتان بها، وصوته حين نطق من جديد كان كالنصل البارد:
ـ والخطة لم تنتهِ بعد.
أغمضت عينيها بقوة، محاوِلة أن تعيد ترتيب الذكريات، الأصوات، الهمسات، الصراخ، السقوط...
كل شيء بدا مشوشًا، حتى ظهر في ذاكرتها ظل ثالث.
لم يكن صوت الشيخ وحده... ولا صوت يوسف.
بل صوت امرأة.
امرأة دفعت.
امرأة صرخت.
امرأة كسرت شيئًا.
فتحت عينيها فجأة كأنها صُعقت بالكهرباء، والهمس خرج من فمها مرتجفًا كأوراق في ريح باردة:
ـ سارة...
اقترب زين منها ببطء، ثم جثا على ركبتيه أمامها، محافظًا على مسافة صغيرة تفصل بين جسديهما كأنه يخشى أن يلمسها فينهار التوازن الهش الذي بقي بينهما.
كانت النار تشتعل في صدره، لكن ملامحه بقيت صلبة، جامدة، كمن يحارب انفجارًا داخليًا كي لا ينهار.
قال بصوت منخفض، واثق رغم اضطرابه:
ـ نعم، يا إيميلي... سارة.
ليست أبي، ولا يوسف.
لكن بدلاً من أن يخفّ عنها العبء، ارتجف قلبها أكثر، إذ تذكّرت فجأة شيئًا غاب عنها طويلاً.
همست بصوت مبحوح:
ـ زين... سارة كانت تتحدث إليّ كثيرًا قبل تلك الليلة... قبل الجريمة.
كانت تسألني أمورًا غريبة.
رفع حاجبه باستغراب حذر:
ـ أسئلة مثل ماذا؟
ابتلعت ريقها، ثم تمتمت بصوت واهن:
ـ كانت تأتي إليّ قبل موت يوسف وتسألني عن تفاصيل صغيرة... عن الليلة نفسها، عن العقود، عن الطابق الذي ينام فيه والدك، وعن المفاتيح... وعن...
توقفت فجأة، كأن الكلمات علقت في حلقها، وكأن ذكرى ما حاولت أن تُدفن بدأت تطفو من جديد.
اقترب زين أكثر، وصوته صار أكثر حدة، يحمل خلفه نيران الشك:
ـ وعن ماذا يا إيميلي؟ قولي لي.
أخفضت رأسها وقالت بصوت متردد يكاد لا يُسمع:
ـ وعن... موافقتي.
اتسعت عينا زين، وظهرت على وجهه صدمة صامتة، كأنه أدرك شيئًا لم يجرؤ أحد على التفكير فيه من قبل.
قال وهو يحدّق فيها:
ـ موافقتك على ماذا؟
ظلّت صامتة، لكنه هو من نطق بالحقيقة أولاً، بصوت متهدج:
ـ يا إلهي... إيميلي، كنتِ جزءًا من الخطة... من قبل أن تأتي إلى المغرب... من قبل أن تبدأ الصفقة كلها!
هزّت رأسها بقوة والدموع تتطاير من عينيها:
ـ لا! لا، أقسم أنني لم أكن أعرف!
قالا لي فقط إن الزواج سينقذ المصنع... لم يخبروني بشيء آخر!
تبدلت ملامح زين، وعيناه امتلأتا بشيء لم تره فيه من قبل، مزيج من الغضب والشفقة والخذلان.
قال ببطء:
ـ والداكِ... لم يقولا لكِ الحقيقة لأنهما كانا جزءًا من اللعبة.
شهقت بصوت مرتجف:
ـ مستحيل! والداي؟!
جلس زين على الأرض أمامها، مسندًا ظهره إلى الجدار، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، كأنه يخرج من معركة داخلية طويلة.
قال بصوت متماسك رغم الانفعال الذي يملأه:
ـ المصنع لم يكن مهددًا بالإفلاس يا إيميلي.
لم تكن هناك ديون ولا مزادات.
كل ذلك كان تمثيلية محبوكة.
نظرت إليه بدهشة متجمدة، والدموع تتسلل على وجهها في صمت:
ـ تمثيلية؟ لكن... لماذا؟
قال وهو ينظر في الفراغ كمن يرى الماضي أمامه:
ـ لأنهم احتاجوا إلى فتاة مثلك... أجنبية، ساذجة، طيبة القلب، يسهل التأثير عليها، ولا يربطها أحد.
فتاة يمكن استخدامها كشاهد... أو كضحية.
ارتجفت شفتاها، وصوتها انكسر وهي تسأل:
ـ
أجاب زين بعد صمت طويل:
ـ سارة كانت تكره يوسف.
كان يحتفظ بملف كامل عن فسادها، وكانت تخشى أن يفضحها.
فخططت لأن تكون شهادتك أنتِ هي الدليل الذي