ذهبت امرأة مسنة لتنظيف بئر مزرعة مهجورة فوجدت سلماً لم يكن من المفترض أن يراه أحد

لمحة نيوز

واقفا في مكانه شاحب الوجه كأن الأرض انشقت لتبتلع تاريخه كله.
أمسك الورقة بيد مرتجفة ثم طواها بعناية ووضعها على الطاولة الخشبية أمامه وقال بصوت خافت
جدي كان من أوائل من أسسوا هذه الأرض كنت أظن أنه رجل شريف.
اقتربت منه ماريا خطوة وقالت
ربما لم تكن تعرف الحقيقة لكن الحقيقة لا تختفي. كل حجر في هذه المزرعة يتنفس أنين من دفن تحتها.
رفع نظره إليها وعيناه تغوصان في الفراغ.
كل هذه السنين وأنا أعيش هنا أحرث الأرض أزرعها بيدي ولم يخطر ببالي أن جذور الشر ما زالت تنبض تحت قدمي.
جلس ببطء كأن قواه خارت فجأة.
الورقة أمامه بدت كوثيقة إدانة عائلية لا مهرب منها.
أما ماريا فوقفت في صمت تحاول السيطرة على رجفة جسدها بعد ما مرت به في عمق البئر.
مرت لحظات قبل أن يقول بصوت متردد
هل هناك شيء آخر رأيته هناك
ترددت قليلا ثم أجابت
صندوق من الذهب مجوهرات كثيرة. لكنها ليست كنزا يا سيدي إنها لعنة. دماء من عذبوا ما زالت عالقة بها.
تغيرت ملامحه وارتجف فكه السفلي ثم قال
أريد أن أراه بنفسي.
حاولت أن تمنعه
لا تفعل إن ما رأيته هناك لا يجب أن يرى ثانية. بعض الأسرار يجب أن تدفن إلى الأبد.
لكنه أصر وقال
بعزم مفاجئ
إن كان هذا إرث عائلتي فسأواجهه. لن أعيش بعد اليوم فوق قبور الأبرياء.
في المساء قادها ومعه مصباحان وحبل طويل نحو البئر.
كانت السماء ملبدة بالغيوم والريح تعصف بأوراق الأشجار في صوت يشبه الهمس.
عندما وصلا نظر إليها وقال
إن لم أعد بعد قليل اذهبي إلى البلدة وأخبري القس بما وجدت.
أومأت برأسها بصمت وراقبته وهو يربط الحبل ويبدأ النزول.
كلما ابتعد صوته في العمق كانت دقات قلبها تزداد.
مرت دقائق طويلة ثم نادت بصوت مرتجف
سيدي جواكيم! هل أنت بخير
لم يجبها أحد.
سمعت فقط صدى أنفاس بعيدة ثم صوت ارتطام مفاجئ كأن شيئا ثقيلا سقط.
تجمدت في مكانها تلتفت حولها بقلق.
ثم عاد صوته من الأعماق واهنا لكنه مسموعا
وجدت الصندوق يا إلهي!
ثم خيم الصمت.
لم تستطع الانتظار أكثر.
نظرت إلى فتحة البئر المظلمة وترددت لحظة بين الخوف والواجب.
ثم أمسكت الحبل بكل قوتها وبدأت النزول مرة أخرى رغم ألم كتفيها وضعف يديها.
كل خطوة إلى الأسفل كانت تشبه عبور بوابة نحو الماضي الملعون.
حين وصلت إلى المنصة رأت المصباح موضوعا على الأرض يتأرجح نوره.
لكن جواكيم لم يكن هناك.
اقتفت أثره نحو الممر الحجري فوجدت
بابا صغيرا مفتوحا لم تلاحظه من قبل.
دفعت الباب ببطء فانفتح على قاعة ثانية أوسع تملؤها صناديق متآكلة ورفوف حجرية عليها بقايا عظام.
في الزاوية رأت جواكيم جاثيا على ركبتيه وجهه مبلل بالدموع ويداه ترتجفان وهما تمسكان إحدى السلاسل القديمة.
نظر إليها وقال بصوت منكسر
لقد كانوا هنا يا ماريا... كلهم هنا. دفنوا أحياء كي لا ينكشف أمرهم.
اقتربت منه ببطء والمشهد أمامها بدا ككابوس حي.
على الجدران كانت نقوش باهتة لأسماء وتواريخ وكأن الضحايا نقشوا أسماءهم قبل موتهم كي لا ينسوا.
في تلك اللحظة هبت ريح باردة من عمق الممر وانطفأ أحد المصباحين فجأة تاركا المكان في ظلال متراقصة.
همست ماريا
إنهم لا يريدوننا هنا...
لكن جواكيم لم يتحرك ظل يحدق في الأرض كأن شيئا يجذبه.
وفجأة بدأ الجدار المقابل يصدر صريرا غريبا ثم انفتح جزء صغير منه كأن يدا خفية حركته.
من الفتحة خرج هواء خانق ورائحة تراب قديم ثم ظهر ما يشبه تابوتا حجريا صغيرا.
اقترب جواكيم أزاح الغطاء ببطء فإذا بداخله هيكل عظمي صغير لطفل على صدره قلادة ذهبية عليها حرف M.
شهقت ماريا ووضعت يدها على فمها.
أما جواكيم فجلس على الأرض مذهولا وقال
بصوت متهدج
هذا... هذا ابن جدي المفقود. قالوا إنه مات مريضا... لكنه لم يمت مريضا أليس كذلك!
ارتجف صوته كمن يعترف أمام الله نفسه.
همس
لقد قتلوا حتى دمهم... كي يخفوا عارهم.
جلست ماريا إلى جواره ووضعت يدها على كتفه قائلة
ربما آن الأوان لتنهي هذه اللعنة. حررهم وحرر نفسك.
رفع عينيه إليها والدموع تملأ وجهه ثم قال
سأفعل. غدا سأبلغ السلطات وسأهدم هذا المكان كله. لن أسمح أن يبقى سر كهذا مدفونا أكثر.
لكنها نظرت حولها بخوف وقالت بهدوء
لا تنتظر الغد يا سيدي... بعض اللعنات لا تصبر حتى الصباح.
في تلك اللحظة دوى صوت عميق من الأعماق كأن الأرض نفسها أنينت.
ارتجت البئر وسقطت الحجارة من السقف فصرخت ماريا
اهرب!
أمسك بيدها وركضا نحو الحبل بسرعة.
لكن الحفرة كانت تهتز بعنف والصوت يعلو كصرخات مئات الأرواح المنبعثة.
وبينما كانت قدماها تلمسان حافة المنصة الأخيرة انزلقت صخرة كبيرة فسقط المصباح وانكسر.
انطفأ النور تماما ولم يسمع بعد ذلك سوى صدى صرخة واحدة امتزجت بصوت الريح.
وفي صباح اليوم التالي حين جاء العمال وجدوا البئر مفتوحة والحبل مقطوعا ولا أثر لماريا ولا لجواكيم.
أما البئر فقد امتلأت
بالماء حتى حافتها كما لو أن الأرض نفسها قررت أن تخفي ما كان مخفيا من قبل.

تم نسخ الرابط