قصة الخادمة والصبي الجزء الثاني والأخير

لمحة نيوز

إيما كانت ماشية وراه والقلب بيخبط في صدرها كل خطوة بتحس إنها بتقربها من نهايتها.
الجو كان ساكت وصوت المطر الخفيف هو اللي مالي المكان.
دخلوا القصر والهواء بداخله كان باردا حد الوجع كأن الجدران نفسها تذكرها بأنها غريبة هنا وأن هذا المكان لا يخصها.
وقفت إيما خلف ريتشارد بخطوات مترددة بينما ظل هو واقفا عند مدخل الصالة الكبيرة عاقدا ذراعيه يراقبها بنظرة جامدة لا تفهم.
ثم التفت إليها ببطء وصوته خرج حادا كالسيف 
قولي يا إيما ماذا كنت تفعلين عند البوابة
ارتبكت وتلعثمت الكلمات على لسانها وهي تحاول التبرير بصوت خافت مرتجف 
كان هناك ولد صغير يا سيدي جائع بالكاد يستطيع الوقوف. طلب قطعة خبز ولم أستطع تجاهله فناولته بعض بواقي الطعام من المطبخ.
ساد الصمت لثوان طويلة حتى أن أنفاسها صارت ثقيلة.
ثم رفع عينيه نحوها بنظرة باردة وقال ببطء 
يعني تستعملين طعام القصر كما تشائين من وراء ظهري
قالت بسرعة ووجهها يشحب من الخوف 
أنا آسفة يا سيدي والله لم أقصد أن أخالف أوامرك لكن الولد كان يتضور جوعا خفت أن يموت أمامي.
ظل ساكتا يحدق فيها بصمت قاتل كأن عينيه تبحثان في داخلها عن نية تخفيها.
الوقت مر ببطء

قاتل حتى شعرت إيما أن جدران القصر تقترب منها لتخنقها.
وأخيرا قال ببرود مطبق 
هاتيه.
تجمدت في مكانها غير مصدقة ما سمعته.
ماذا
أعاد الكلمة نفسها بصوت خال من أي انفعال 
الولد. هاتيه. الآن.
لم تجد في عينيه أي مساحة للنقاش فخرجت مسرعة تحت المطر تبحث عن الصغير.
كان لا يزال هناك يلتصق بالحائط قرب البوابة المطر يبلل شعره وملابسه المهترئة بينما في يده كيس صغير به فتات الخبز الذي أعطته إياه.
اقتربت منه برفق وقالت 
تعال لا تخف الرجل الذي في الداخل يريد أن يراك.
تردد الولد لحظة عيناه تلمعان بخوف طفولي لكن نظرة الطيبة في وجه إيما طمأنته فسار خلفها بخطوات مترددة.
وحين دخلا الصالة وقف أمام ريتشارد مطأطئ الرأس جسده النحيل يرتجف من البرد.
سأله ريتشارد بصوت منخفض لكنه نافذ 
اسمك يا ولد
آدم يا سيدي.
وأين أهلك يا آدم
أجاب بصوت متقطع 
أمي ماتت من أسبوعين وأبي اختفى من زمان بقيت أنا وأختي الصغيرة لوحدنا ننام في المخزن وراء الحديقة القديمة.
وضعت إيما يدها على فمها من الصدمة.
كانت تظن أنه يأتي من مكان بعيد لا من خلف القصر مباشرة!
اقترب ريتشارد من النافذة ونظر في الخارج طويلا كأنه يفكر في شيء
بعيد.
لم يتكلم لدقائق والجو داخل الصالة صار ثقيلا مثل الغبار العالق.
ثم قال بهدوء لم تتوقعه إيما أبدا 
إيما خذي الولد إلى المطبخ. أطعميه جيدا وبعدها أعيديه إلى مكانه. سأذهب لاحقا.
تنفست إيما الصعداء ظنت أنه سيطرده أو يعاقبها لكنها سمعت في صوته شيئا غريبا لم يكن غضبا بل حزنا مكتوما.
قادته إلى المطبخ وسخنت له الحساء وجلس يأكل بنهم وكأنه لم يتذوق طعاما منذ أيام.
راقبته وهي تشعر بغصة في حلقها ثم سألته بلطف 
قلت إن عندك أخت أليس كذلك ما اسمها
ليلى.
هل هي بخير
هز رأسه بصمت ودمعة ساخنة نزلت على خده.
بعد أن أنهى طعامه قالت له 
خذني إليها.
وبالفعل خرجا معا إلى الحديقة الخلفية المطر لم يتوقف بعد وكانت الأرض موحلة والريح تعصف بالأشجار.
تقدما حتى وصلا إلى مبنى قديم أبوابه مكسرة وسقفه متآكل.
هناك على بطانية بالية كانت الطفلة الصغيرة نائمة وجهها شاحب وجسدها نحيل لدرجة موجعة.
إيما شعرت بأن قلبها يعتصر جثت بجانبها تمسح على شعرها بلطف.
لكن قبل أن تتكلم سمعت وقع خطوات ثقيلة تقترب خلفها
التفتت فرأت ريتشارد واقفا عند الباب قطرات المطر تنزلق على كتفيه وعيناه تتأملان المشهد بصمت عميق.
اقترب ببطء ونظر
إلى الطفلة ثم إلى الولد وأخيرا إلى إيما وقال بصوت خافت فيه مسحة ألم 
منذ متى يعيشان هنا
أجاب آدم بخوف واضح 
من أسبوع يا سيدي لم نجد مكانا آخر.
ظل ريتشارد صامتا لثوان ثم قال جملة واحدة غيرت مصيرهم جميعا 
خذوهما إلى الداخل.
اتسعت عينا إيما غير مصدقة ما سمعت.
إلى القصر
أومأ برأسه دون تردد 
قلت خذوهما إلى الداخل.
ومنذ تلك الليلة تغير كل شيء.
أحضر ريتشارد طبيب القصر للكشف عليهما وأمر بتحضير غرفة صغيرة في جناح العمال فيها سريران نظيفان وستائر دافئة.
لم يكتف بذلك بل كان يمر عليهما كل يوم بنفسه يحمل لهما الحلوى أحيانا أو يجلس صامتا يراقبهما وهما يضحكان في الحديقة.
ولأول مرة منذ سنوات رآه الجميع يبتسم.
ابتسامة صغيرة لكنها حقيقية مثل ضوء خافت بعد عتمة طويلة.
وفي صباح دافئ كان يقف في شرفة القصر ينظر إلى الطفلين يلعبان في الحديقة بينما وقفت إيما خلفه بهدوء.
قال دون أن يلتفت إليها 
تعلمين يا إيما كنت مثلهم تماما يوما ما. جعت وتركت وحيدا ولم يسأل عني أحد. ربما لهذا السبب صرت قاسيا مع الناس. لكنك اليوم ذكرتني بالإنسان الذي كنته قبل أن يطفئني العالم.
لم تجد إيما ما تقول فابتسمت بخفة
ودمعة صافية سقطت على وجنتها.
كانت تدرك أن ما حدث لم يكن مجرد فعل رحمة بل
تم نسخ الرابط