قصة الخادمة والصبي الجزء الثاني والأخير
بداية حياة جديدة لهم جميعا.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد إيما الخادمة التي تعمل لديه
بل أصبحت المرأة التي فتحت له باب الرحمة
وأعادت إليه قلبه المفقود.
مرت خمس سنوات منذ تلك الليلة التي تغير فيها كل شيء.
القصر الذي كان صامتا كالمقبرة صار يمتلئ بصوت ضحكات الأطفال ورائحة الطعام الدافئ ونبض الحياة.
آدم كبر صار صبيا ذكيا في الثالثة عشرة شغوفا بالكتب والآلات لا يهدأ له بال حتى يفكك شيئا ويعيد تركيبه.
أما ليلى فقد صارت فتاة هادئة رقيقة تحب الرسم والزهور وتقضي وقتها في الحديقة ترسم فراشاتها الصغيرة على الجدران القديمة التي كانت يوما مأوى لها.
ريتشارد تغير هو الآخر لم يعد الرجل البارد الذي لا يرحم أحدا. صار أكثر هدوءا أكثر صمتا لكن صمته هذه المرة لم يكن جفاء بل تأملا في ما فات.
كان يخرج كل صباح إلى الحديقة يجلس على المقعد الحجري ذاته الذي وجد فيه الطفلين لأول مرة ويظل ينظر إليهما من بعيد بعين أب لم يولد له أولاد قط لكنه وجد في هذين الطفلين خلاصا لروحه التي كادت تموت.
أما
لم تعد مجرد خادمة بل أصبحت كأنها عماد هذا القصر.
هي التي تنظم كل شيء وتعتني بالطفلين كأنهما ولداها وتحرص على أن تكون حياتهما مليئة بالحب والأمان.
لكن داخلها كانت تحمل مشاعر لا تجرؤ على البوح بها
مشاعر خافتة تنمو كل يوم تجاه ريتشارد الرجل الذي رأت قسوته تذوب أمام عينيها ببطء حتى صار إنسانا مختلفا تماما.
في إحدى الليالي عاد ريتشارد متعبا من عمله جلس أمام المدفأة وصوت المطر يتساقط على النوافذ.
اقتربت منه إيما تحمل كوبا من الشاي فقال وهو ينظر إلى اللهب
أتعلمين يا إيما كنت أظن أن هذا القصر لعنة.
كل من عاش هنا فقد شيئا عزيزا عليه.
لكن منذ جاء آدم وليلى ومنذ جئت أنت تغيرت اللعنة إلى بركة.
ابتسمت بخجل وقالت بصوت خافت
الخير موجود دائما يا سيدي فقط يحتاج من يراه.
ظل ينظر إليها لحظة طويلة بعينين لم تعودا قاسيتين كما كانتا من قبل بل امتلأتا بشيء يشبه الامتنان العميق.
لكنه لم يقل شيئا.
فقط وضع الكوب جانبا ونهض ببطء وغادر
مرت الأيام حتى جاء ذلك الصباح الذي كسر هدوء القصر.
استيقظ الجميع على صوت صراخ من الحديقة.
ركضت إيما لتجد ليلى تبكي قرب البئر القديمة وآدم يقف في الأعلى يحاول النزول بحبل لينقذ قطة صغيرة سقطت بداخله.
لكن الحبل انزلق وسقط آدم في البئر.
صرخت إيما وهرع ريتشارد من مكتبه يركض بجنون لم يعرفه من قبل.
حين وصل وجد إيما تجثو عند فوهة البئر تنادي اسم آدم بصوت ممزق.
لم يفكر لم يتردد فقط خلع معطفه وقفز خلفه.
بعد دقائق طويلة كأنها دهر خرج ريتشارد حاملا الصبي بين ذراعيه مبللا بالكامل لكنه حي.
الطفل يبكي والرجفة تملأ جسده بينما ريتشارد يضحك للمرة الأولى منذ سنوات ضحكة صدق ونشوة نجاة.
قال لإيما بصوت متقطع
الولد بخير شفت الخير دايما بينجو.
لكن بعد ساعات ساءت حالته بسبب البرد فظل في الفراش أياما وإيما لا تتركه لحظة واحدة.
وحين أفاق أخيرا ابتسم لها وقال
الولد علمني حاجة يا إيما الحياة مش لازم تعيشها بس لنفسك.
يمكن
لم تستطع أن تمنع دموعها فاقتربت منه بهدوء وقالت
وإحنا كمان عندنا بيت يا سيدي بفضلك.
مر الصيف بعد تلك الحادثة وكأن الزمن صار ألين.
وفي إحدى الأمسيات كانت إيما واقفة في الشرفة تتأمل غروب الشمس على الحقول.
اقترب منها ريتشارد بهدوئه المعهود وقال
تعرفين يا إيما كنت أظن أن الرحمة ضعف لكنك أثبت لي أنها أقوى سلاح في الوجود.
ثم صمت لحظة وأضاف بنبرة دافئة
ربما آن الأوان أن لا أكون السيد بعد الآن بل الرجل الذي يريد أن يعيش بجانبك لا فوقك.
نظرت إليه بعينين دامعتين وهمست
وهل الرحمة تحتاج ألقابا
ضحك بخفة للمرة الأولى بصدق كامل كأنه عاد طفلا يرى العالم من جديد.
ومن تلك اللحظة لم يعد القصر مكانا باردا تحكمه القوانين
بل بيتا دافئا تحكمه القلوب.
آدم التحق بالمدرسة التي كان يحلم بها
وليلى صارت فنانة صغيرة تزين جدران القصر برسوماتها
وإيما صارت السيدة التي أعادت للحياة لونها في بيت كان رماديا.
أما ريتشارد فصار يعرف معنى الرحمة الذي طالما جهل اسمه.