امرأة نزلت لتنظّف بئرًا مهجورًا… فعادت بحقيقةٍ كانت مدفونة لعقود

لمحة نيوز

قدرتها على احتماله. خذلتها قدماها وسقطت على الأرض غير قادرة على احتمال ما سمعته قبل قليل. بقيت جالسة لدقائق طويلة لا تسمع سوى دقات قلبها المتسارعة والضجيج الخافت للمدينة من حولها. وحين بدأت تلتقط أنفاسها شيئا فشيئا دفعت جسدها المتعب واقفة وتقدمت بخطوات بطيئة نحو البيت الكبير الذي تغير في نظرها إلى شيء آخر تماما.
كان الطريق قصيرا لكنه بدا لها كأنه طريق عمر كامل. كل خطوة كانت تعيد إليها ذكرى وكل ذكرى كانت تثقل على كتفيها. وما إن وصلت إلى الشرفة ورأت يواكيم جالسا هناك حتى شعرت بأن عالمين يتقابلان على حافة الحقيقة عالم فوق الأرض يمشي ويتنفس وعالم آخر ظل طويلا مدفونا في بطنها دون أن يدرك أحد.
ناولته الأوراق بصمت. أخذها جلس مستقيما وبدأ يقرأ. لم تعل صرخة ولم ينهر لكنه صمت وصمته كان أثقل من أي غضب. رأت وجهه يتغير أمامها كأنه يكبر عشر سنوات في لحظة واحدة. وضع يده على جبينه وكأنه يتلقى لطمة من زمن كان يظنه منتهيا.
وبعد دقائق طويلة رفع رأسه وقال بصوت متحشرج
لم أكن أعرف أقسم لك يا ماريا لم أكن أعرف.
لم يكن بحاجة لقول أكثر. كانت الحقيقة التي
عثر عليها في أرشيف البلدية كافية لفتح أبواب الماضي على مصراعيه.
في اليوم التالي بدأ كل شيء يتحرك بسرعة لا يفهمها أحد. الشرطة البلدية فرق الحفر الصحافيون السكان من المزارع المجاورة كلهم اجتمعوا حول البئر القديمة كأنهم أمام مسرح تاريخي ينتظر رفع الستار. لم يكن في الأمر رعب ولا أساطير بل مأساة بشرية خالصة تعود لعقود مضت ضحايا عمال فقراء سقطوا في حادث أثناء حفر الأساسات ولم يتم تسجيلهم أو استخراجهم وفضل أصحاب المكان حينها إغلاق الملف بدلا من الاعتراف بالخطأ.
عندما أخرجت الرفات لم تكن الرائحة مروعة كما تخيل البعض بل كانت أقرب إلى رائحة تراب قديم يحمل قصصا لم ترو. وقفت ماريا بعيدا تنظر بعينين دامعتين. لم تبك خوفا أو هلعا بل لأن الأرواح التي صمتت طويلا وجدت أخيرا من يسمعها.
أما يواكيم فوقف أمام الجموع كتفيه مستقيمتان وصوته ثابت رغم الارتجاف الخفيف الذي يخونه. قال بوضوح
لن أدفن هذا مرة أخرى. هؤلاء بشر وسأعيد لكل واحد منهم اسمه وكرامته.
كانت تلك لحظة نادرة لحظة يرى فيها المرء رجلا يواجه ظل عائلته وسمعتها دون أن يختبئ خلف المال أو النفوذ.
استدعى
نحاتين ومعماريين واستغل جزءا من ذهبه ليصنع لهم مقبرة تليق بهم. لم يجعلها فاخرة بل بسيطة وممتلئة بالاحترام. أحاطها بالشجيرات البرية ووضع عند رأس كل رفات لوحة تحمل اسما أو رقما أو أي معلومة وجدت معهم. لم يكن الهدف الزينة بل الاعتراف.
في يوم الافتتاح وقف الناس من حولهما بصمت يشبه الصلاة. وقف يواكيم بجانب ماريا وكأنهما نجوا معا من عبء كان يثقل صدر البيت كله.
ومع مرور الأسابيع تغير البيت. لم يعد المكان الذي يشهد على تاريخ مظلم بل صار مكانا جديدا يتنفس حياة. ثم تغير شيء آخر لم تكن ماريا تتوقعه علاقة جديدة بدأت تنمو بينها وبين يواكيم.
كانت العلاقة تبدأ من تفاصيل صغيرة
فنجان قهوة يحضره لها كل صباح بيده صمت مسائي يتحول إلى حديث دافئ لحظات هادئة على الشرفة تذيب ما تبقى من جليد الوحدة في حياتهما. أخبرها عن طفولته عن زوجته الراحلة عن السنوات التي عاشها وهو يظن أن الثروة تعوض الفقد. وحكت له هي عن شبابه الضائع في التعب عن أولادها الذين تفرقوا في البلاد وعن الليالي التي نامت فيها بلا عشاء.
وفي إحدى الأمسيات نظر إليها نظرة مختلفة تماما. لم تكن نظرة
رجل يحدث امرأة بل نظرة روح وجدت أخيرا روحا أخرى تشبهها. قال بصوت خافت
ماريا لا أريد أن تعودي إلى وحدتك. وجودك هنا يمنحني معنى لم أعرفه منذ زمن.
رفعت رأسها بدهشة فأكمل
أريدك أن تبقي لا كعاملة. كزوجة.
كانت الصدمة أكبر من الكلام. في هذا العمر الآن لكنها حين نظرت في عينيه وجدت صدقا لم تعتد أن تراه. قالت بتردد وابتسامة خفيفة
في هذا العمر
فأجاب
العمر لا يقيس القلب.
وتزوجا. حفل صغير هادئ لكنه مليء بالدفء. كل من حضر شعر أنه يشهد ميلاد حياة جديدة لا مجرد زواج.
مرت السنوات ونما الحب بينهما كزرع يسقى كل صباح على الشرفة نفسها التي بدأت منها الحكاية. صارا يجلسان هناك حين تشرق الشمس على الحقول الخضراء يتذكران الأيام التي تغير فيها كل شيء بسبب رحلة واحدة إلى بئر قديمة.
وفي مساء دافئ والسماء تذوب بين الأحمر والبنفسجي أمسك يواكيم بيدها وقال
لو عاد بك الزمن هل كنت ستنزلين إلى البئر مرة أخرى
ابتسمت ابتسامة تعرف الطريق إلى قلبه وقالت
نعم. لأنني لو لم أنزل لما اكتشفت الحقيقة ولما وجدت أنت.
وهكذا كانت النهاية بسيطة بلا رعب بلا أساطير.
حقيقة إنسانية ولدت
من الظلام وانتهت بضوء لا يطفأ.

تم نسخ الرابط