المرأة التي بُني عليها إمبراطورية… بعدما تركها زوجها وابنتهما المريضة

لمحة نيوز

الكلمات الآن وهي تجلس بجوار سرير الصغيرة. كانت تشعر بأن الجروح القديمة لم تلتئم بعد لكنها في الوقت نفسه لم تعد تنزف. كانت قد تحولت إلى ندبة والندبة دليل على أننا نجونا.
في تلك الليلة تحديدا بينما كانت تحاول ترتيب أفكارها رن هاتفها. كان الرقم غريبا. hesitated ثم أجابت. جاءها صوت امرأة لا تعرفها تتحدث بنبرة رسمية
هل أنت السيدة سارة منصور
نعم.
نحن من مجلس دعم المشروعات الصغيرة. ملفك قبل.
تجمدت. لم تستوعب الكلمات في البداية.
هل هل تقصدين تمويل المشروع
نعم. تمت الموافقة. نحتاج منك فقط أن تحضري غدا لتوقيع الأوراق.
وضعت سارة الهاتف ببطء كأنها تخشى أن يتبخر الخبر لو تحركت بسرعة. شعرت بدموع ساخنة تملأ عينيها لكنها لم تكن دموع حزن كانت دموع انتصار صغير لكنه كان بداية شيء أكبر.
في صباح اليوم التالي وقفت أمام المبنى الحكومي بملابس بسيطة لكنها كانت تقف بثقة امرأة تعرف أنها تخوض حربا من أجل ابنتها. وقعت الأوراق واستلمت التمويل الأولي. كان مشروعها بسيطا ورشة صغيرة للخياطة. شيء كانت تتقنه منذ طفولتها. شيء اعتقدت دائما أنه مجرد مهارة جانبية لكنه أصبح الآن سلاحها الوحيد.
بدأت الورشة في غرفة ضيقة استأجرتها
في آخر الحارة. في البداية كانت تعمل وحدها تخيط ليلا وتسلم نهارا بينما كانت ابنتها ترقد على سرير صغير خلف الستارة. كانت تسمع صوت جهاز التنفس أحيانا وصوت إبرتها يخترق القماش أحيانا أخرى وكانت تشعر بأنهما يخوضان معركة مشتركة.
ومع مرور الشهور كبرت الورشة. ثم صارت محلا. ثم صار اسمها يتداول بين الناس. لم تعد مجرد امرأة تخيط بل صارت سارة التي تصنع المستحيل. بدأت التعاقدات تنهال عليها وبدأت قصتها تنتشر في الحي ثم المدينة. كان الناس يقولون
هذه المرأة صنعت إمبراطورية من الألم.
وفي يوم ما حين كانت توقع عقدا جديدا سيفتح لها بابا أوسع دخل رجل إلى المكتب. التفتت سارة وتجمدت. كان زوجها السابق. بدا عليه التردد والندم والخوف أيضا. قال بصوت ضعيف
سارة أنا سمعت بما وصلت إليه. جئت لأرى ابنتي.
نظرت إليه طويلا نظرة امرأة حملت ما لم يتحمله الرجال. ثم قالت بهدوء
ابنتك لم تعد لك ابنة هنا. من رحل في العاصفة لا يعود حين تنقشع.
ومشى الرجل ببطء إلى الخارج بينما شعرت سارة بأن الباب هذه المرة أغلق بصوت يليق بالعدالة.
عادت إلى بيتها رأت ابنتها تنظر إليها وتبتسم رغم التعب. جلست بجوارها وقالت وهي تقبل يدها الصغيرة
سنكمل
الطريق يا ملاكي الطريق الذي بدأناه وحدنا.
في الليلة الأخيرة من العام جلست سارة بجوار نافذة غرفتها تنظر إلى المدينة التي امتدت أمامها كعرف طويل من الضوء. كانت الثياب المعلقة في ورشتها قد جفت والآلات صمتت أخيرا بعد يوم شاق وابنتها الصغيرة نائمة في الداخل صدرها يرتفع وينخفض بانتظام مطمئن يشبه نبض الحياة ذاته. لم تكن السنوات الماضية سهلة لكنها كانت صادقة كل ما فيها من تعب ودموع وانتصارات صغيرة كان يبني طبقة جديدة من صلابتها الداخلية تلك الصلابة التي لا ترى لكنها تشعر كل من حولها أن هذه المرأة ليست عابرة في هذا العالم.
رفعت بصرها إلى السماء كما فعلت في تلك الليلة الأولى حين غادر زوجها وتركها تواجه الحياة وحدها. لكنها اليوم لم تعد المرأة ذاتها. لم يعد بوسع أحد أن يضعفها. فقد تعلمت بالمواجهة لا بالكلمات أن الذين يرحلون لا يستحقون مقاعد في مستقبلها وأن الجراح حين تداوى بالعمل والكرامة تتحول إلى أجنحة وليس إلى قيود.
وضعت يدها على الزجاج البارد ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي تشكلت ببطء كأنها تعلن انتهاء فصل طويل من الحروب الداخلية. كانت تعلم أن الطريق ما زال طويلا وأن مرض ابنتها لن يختفي بسحر لكنها
تعلم أيضا أنها لم تعد تخشى شيئا. فالخوف لم يعد يسكن قلب امرأة رأت قاع الانكسار ثم صعدت منه بيديها العاريتين تحمل طفلة وتحمل حلما وتحمل حقيبة صغيرة فيها خيط وإبرة.
وفي صباح اليوم التالي استيقظت المدينة على إعلان جديد توسع ورشة سارة إلى مصنع صغير وتوقيع عقد شراكة مع إحدى الشركات الكبرى لدعم منتجاتها. انتشر الخبر بسرعة ووصل إلى كل مكان كانت قد عانت فيه من الرفض إلى كل باب أغلق في وجهها وإلى كل شخص قال لها يوما لن تنجحي. لكنها لم تفكر فيهم لم تعد قلوبهم تعني لها شيئا. كل ما يعنيها الآن كان الغرفة الصغيرة التي تنام فيها ابنتها والضحكة التي تنتظر أن تراها حين تفتح عينيها.
وفي المساء حملت سارة طفلتها بين ذراعيها خرجتا إلى الشرفة والنسيم يحرك خصلات شعرهما. همست لابنتها بصوت دافئ يشبه وعدا
سنمضي يا حبيبتي خطوة بخطوة. فقد ولدنا من الألم لكننا سنعيش بالكرامة.
امسكتها الطفلة بقوة وكأنها تفهم كل شيء. وفي تلك اللحظة فقط أدركت سارة أن الإمبراطوريات ليست تلك التي تبنى بالحجارة والمال بل تلك التي تبنى بأمهات يشبهنها أمهات يسقطن ثم يقفن ثم يربين أطفالهن على الضوء ولو كان العالم كله غارقا في الظلال.
وهكذا
كانت النهاية بداية أخرى.

تم نسخ الرابط