عاد إلى منزله مبكرًا وهو يتوقّع صمتًا تامًا… لكن ما اكتشفه تلك الليلة غيّر عائلته إلى الأبد

لمحة نيوز

عاد إلى منزله مبكرا وهو يتوقع صمتا تاما
لكن ما اكتشفه تلك الليلة غير عائلته إلى الأبد
كانت الليلة أكثر هدوءا من المعتاد في حي لوماس الفاخر. أضواء الشوارع تنعكس على الحدائق المرتبة بعناية والهواء يحمل معه همهمة بعيدة من ضجيج المدينة.
عند البوابة الحديدية وقف أليخاندرو هيرنانديز الرجل الذي اعتاد الجميع على عودته بعد منتصف الليل وقد وصل اليوم في وقت لم يتوقعه أحد.
سأله السائق إن كان يرغب بالاتصال بالمنزل ليعلموهم بوصوله.
هز أليخاندرو رأسه.
اليوم أريد أن أدخل دون أن يعرف أحد.
فتح الأبواب ودخل. وفور عبوره عتبة المنزل أحس بشيء غريب سكون مختلف. كأن البيت نفسه يكتم أنفاسه.
خلع ربطة عنقه وتقدم وسط رخام المدخل الواسع قبل أن يتجمد فجأة.
هناك أصوات
لكنها ليست أصوات الضيوف ولا فريق الخدم ولا زوجته التي تسهر عادة في الطابق العلوي.
كانت أصواتا خافتة ناعمة متقطعة وكأن شخصا يحاول التحدث وهو يبذل جهدا كبيرا.
اقترب خطوة بعد خطوة
وكان في كل خطوة يشعر بأن شيئا غير مألوف ينتظره في الداخل.
ثم سمع صوت فتاة شابة تقول بهدوء
على مهل لا تضغط على نفسك.
وبعدها جاء صوت آخر ضعيف لكنه مصر
أستطيع دعيني أحاول. أريد أن أرى
توقف أليخاندرو عند باب غرفة الجلوس.
تسمر مكانه وكلمة واحدة دارت في رأسه
يراه من الذي يحاول أن يراه وعلى ماذا
ضغط أصابعه على الإطار الخشبي للباب وشعر بتوتر غريب يمر في صدره.
كان هذا منزله ومع ذلك خيل إليه للحظة أنه يقترب من أمر لم يسبق أن عرفه.
تنفس بعمق
وتقدم خطوة.
ثم دخل الغرفة.
وتجمد.
كان المشهد بسيطا لكنه لم يكن عاديا بالنسبة له.
كانت لوبيتا تجثو على ركبتيها بالقرب من بقعة عصير انسكبت على طرف السجادة. كانت تنظفها بهدوء وصبر وبلل الماء طرفي سروالها بينما واصلت يداها العمل بلا

تذمر.
لكن ما شد نظره حقا
كان الطفل الواقف بجانبها.
ماتيو ابنه الصغير متكئا على عكازين يحاول تقليدها ممسكا بفوطة صغيرة بين يديه. كان جهد الوقوف واضحا عليه ورغم ذلك بقي يحاول.
رفع الفوطة قليلا وهو يقول بحماسة متقطعة
خالتي لوبيتا أستطيع تنظيف هذا المكان أيضا.
ازدادت دهشة أليخاندرو.
ابنه يقف وحده تقريبا
ويحاول المساعدة
وبجانب من لوبيتا
متى حدث هذا
رفعت لوبيتا رأسها إليه بابتسامة هادئة وقالت
لقد ساعدتني كثيرا اليوم يا ماتيو. تعال واجلس قليلا كي لا تتعب.
لكن الطفل هز رأسه رافضا
لا أحب أن أساعد. أنت تقولين إننا فريق.
شعر أليخاندرو بأن صدره يضيق لوهلة.
فريق
منذ متى أصبح بينهما هذا القرب
وكيف لم يلحظ أي شيء
ظل واقفا عند عتبة الباب كأن حضوره انزلق بين جدران المنزل دون أن يشعر به أحد. وقف ساكنا يراقب المشهد بصمت لا يقطعه سوى أنفاسه الثقيلة.
رأى ماتيو يحاول تعديل وضع العكازين ليتقدم خطوة جديدة. مال جسده الصغير إلى الأمام ثم استعاد توازنه بصعوبة وعيناه تلمعان بنشوة إنجاز أكبر بكثير مما يحتمله عمره.
وما إن التفت مصادفة ورآه حتى اتسعت عيناه بين فرح مفاجئ وقلق فطري لا يعرف سببه.
هتف بصوت عال
أبي! عدت مبكرا!
حاول أن يستدير نحوه بسرعة فاهتز جسده للحظة وكاد يسقط.
نهضت لوبيتا دفعة واحدة تركت الخرقة على الأرض ومسحت يديها بمئزرها في ارتباك واضح وقالت
مساء الخير يا سيد أليخاندرو لم أعلم أنك دخلت. كنت فقط أنهي التنظيف.
لم يعلق بشيء فقد كانت عيناه تتحركان بين الفوطة في يد الصغير والركبتين المحمرتين للوبيتا والبقعة التي تقلصت نصف حجمها من شدة فركها.
قال وهو يحاول ضبط نبرة صوته
ماتيو ماذا تفعل هنا
ابتسم الطفل بفخر يفيض من وجهه الصغير
أساعد خالتي لوبيتا يا أبي. واليوم وقفت وحدي تقريبا لخمس
دقائق!
خمس دقائق.
توقف الزمن للحظة على ملامح أليخاندرو.
التفت إلى لوبيتا يبحث في عينيها عن تفسير فوجد نظراتها تهبط إلى الأرض بصمت.
قال ببطء شديد
خمس دقائق كيف حدث هذا
اقترب ماتيو خطوة متعثرة وهو يقول بثقة
خالتي لوبيتا تعلمني التمارين كل يوم. تقول لي إنني إن اجتهدت فسأجري مثل سائر الأطفال.
سقط صمت ثقيل في أرجاء الغرفة.
اختلط في صدر أليخاندرو مزيج غريب من الدهشة والغضب والامتنان والارتباك.
كان قلبه يسبق عقله في كل سؤال.
قال أخيرا موجها حديثه إلى لوبيتا
تمارين أكنت تقومين بتمارين معه
رفعت رأسها ببطء وفي ملامحها خشية صادقة
يا سيد أليخاندرو لم أفعل سوى اللعب معه. لم أنو تجاوز حدود عملي. وإن رغبت أتوقف فورا. بل أستطيع ترك العمل إن كان وجودي يزعجك.
وقاطعها صوت ماتيو قبل أن تكمل
لا يا أبي! لا! خالتي لوبيتا أفضل شخص! حين أصرخ من الألم لا تتركني وتقول إنني قوي مثل المحارب.
شعر أليخاندرو بأن شيئا قاسيا انكسر داخله.
متى كانت آخر مرة سمع فيها صوت ابنه بهذه الحماسة
متى جلس معه دون أن ينظر إلى الساعة
متى لاحظ تلك اللمعة الجميلة في عينيه
قال بصوت منخفض
ماتيو اصعد إلى غرفتك قليلا. أريد التحدث مع خالتك لوبيتا.
احتج الطفل
لكن أبي
الآن يا ماتيو.
لم تكن نبرته قاسية ولكنها حاسمة بما يكفي.
نظر الصغير نحو لوبيتا فابتسمت له مطمئنة وأومأت برأسها.
بدأ يصعد السلالم وصوت العكازات يطرق الأرض بإيقاع موجع.
وقبل أن يختفي عند آخر الدرج التفت وهتف
أبي! خالتي لوبيتا أفضل شخص في العالم!
ثم اختفى.
اقترب أليخاندرو من لوبيتا حتى رأى بجلاء تعب يديها المتشققتين والعرق اللامع على جبينها وركبتيها المتورمتين.
سأل بصوت منخفض
منذ متى يحدث هذا هذه التمارين منذ متى وأنت تقومين بها معه
أجابت بهدوء
منذ بدأت العمل
هنا نحو ستة أشهر. وأقسم أنني لم أهمل عملي يوما. كنت أفعل ذلك في استراحتي أو بعد إنهاء واجباتي.
قال ببرود لم يقصد به قسوة
ولم تتلقي أجرا على هذا.
خفضت رأسها وقالت
أعلم ولم أطلب. كل ما في الأمر أنني أحب اللعب معه. إنه طفل مميز.
توقف عند الكلمة.
مميز ماذا تقصدين
رفعت نظرها نحوه وابتسامة هادئة تضيء ملامحها
مميز لأنه لا يستسلم يا سيد أليخاندرو. يبكي قليلا ثم يعود ويحاول. قلبه طيب يسألني دائما إن كنت متعبة أو حزينة. هو طفل مليء بالحنان.
ضاق صدره فجأة.
كم مرة جلس مع ابنه وسأله أسئلته الباردة
هل تناولت دواءك
هل أنهيت واجبك
هل حضرت الجلسة
ولم يسأله يوما
هل لعبت
هل ضحكت
هل كنت سعيدا
قال فجأة
وأين غابرييلا
أجابت بهدوء
خرجت للعشاء مع صديقاتها. قالت إنها ستعود متأخرة. بقيت مع ماتيو تناول عشاؤه واستحم وأجرينا التمارين ثم سقط بعض العصير على الأرض فأصر أن يساعدني.
نظر أليخاندرو حوله كأنه يرى منزله للمرة الأولى
الأثاث اللامع الطاولات النظيفة الوسائد المرتبة والنباتات في الزوايا كلها تفاصيل تمر أمامه دون أن يلتفت إليها.
ثم قال بصوت أكثر هدوءا
هل لي أن أسألك سؤالا شخصيا يا لوبيتا
أومأت باحترام
تفضل.
لماذا تعملين في مهنة التنظيف من الواضح أن لديك معرفة حقيقية بالعلاج الطبيعي ومهارة في التعامل مع الأطفال. لماذا لم تدرسي هذا المجال
ارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة
لأنني لا أملك شهادة يا سيد أليخاندرو. كل ما أعرفه تعلمته من حياة أخي الصغير كارلوس. ولد بمشكلة في ساقيه ورافقته سنوات طويلة في جلسات العلاج وأساعده في المنزل. لكن هذا لا يحتسب رسميا ولذلك أعمل في أي وظيفة أستطيع منها إعالة عائلتي.
قال بصوت منخفض
عائلتك
أمي وأخي كارلوس. عمره الآن ستة عشر عاما. يدرس صباحا ويعمل بعد الظهيرة. أما
أمي فتنظف مكاتب في الليل. نحن نعيش بما يتيسر.
ساد صمت ثقيل كأن الهواء تخلى عن الحركة لحظة واحدة.
وفي هذا السكون تسربت إلى وعي أليخاندرو
تم نسخ الرابط