القرية سخرت منها عشر سنوات لكن وقوف الأب أمام باب بيتها غيّر كل شيء

لمحة نيوز

من كثرة التفكير.
لكن جيمي كعادته تقدم بخطوات صغيرة نحو ذلك الرجل الذي لم يفهم بعد مكانه من حياته ثم أمسك بطرف قميصه وقال ببساطة طفولية
بابا هل يمكن أن نركب تلك السيارة الكبيرة
خرج من أدريان ضحك قصير ضحك يشبه زفرة ارتياح طال انتظارها كأن شيئا انفتح في صدره بعد أعوام من الانغلاق.
انحنى وحمل الطفل بين ذراعيه بلا تردد بلا خوف كأن جيمي خلق ليكون في هذا المكان تحديدا بين يديه.
جلست إلينا إلى جواره في السيارة لتغادروا القرية جميعا تحت نظرات لم تجرؤ على متابعتهم طويلا.
لم ينطق أحد بكلمة خلفهم وكأن الصمت هو الاعتذار الوحيد الذي استطاع أهل القرية تقديمه.
كانت الرحلة إلى المدينة للطفل هي أول مرة يشعر فيها بالدفء الذي تحدثت عنه أمه كثيرا دون أن تعترف.
وكانت بالنسبة لإلينا أول لحظة منذ زمن طويل تشعر فيها بأن ظهرا ما يحميها لا يثقلها.
وفي الأيام
التي تلت تلك الزيارة لم يتوقف أدريان عن الحضور.
كان يأتي كل يوم تقريبا يحمل ألعابا صغيرة لا ترهق الطفل ودفاتر للرسم وحلوى بسيطة ترسم ابتسامة على وجهه.
وكان حضوره ليس من أجل جيمي فقط بل من أجل أن يطمئن أن إلينا بخير.
كان يسألها عن عملها عن إرهاقها عن المشكلات التي تواجهها وعن كل تفصيلة تنتمي لحياتها.
وكان لكل زيارة منه قدرة غريبة على ترميم جزء مكسور في قلبها.
وبعد أسابيع قال لها بصوت هادئ
إن أردت يمكن أن نفتح مشروعا صغيرا لك. مخبزا مقهى أو أي شيء حلمت به يوما.
ابتسمت بمرارة وقالت
أنا مشروع لم أملك في حياتي حتى طاولة جديدة.
فأجابها بلطف صادق
وأنا لم أنسك يوما ولن أضيع فرصة ثانية.
وبدأت رحلتهم الجديدة.
اختار لها محلا صغيرا في مدينة قريبة ساعدها في شراء المعدات دفع الإيجار الأول لكنه كتب كل شيء باسمها.
لم يفرض نفسه على حياتها لم يحاصرها
لم يستغل ضعف السنين الماضية.
كان فقط موجودا.
ثابتا.
نقي النية.
كبر المخبز سريعا.
صار الناس يقصدونه من كل القرى المجاورة وبدأ الحديث ينتشر
أم جيمي عادت. ورفعت رأسها.
أما أهل القرية الذين آذوها يوما فقد باتوا يأتون بخجل شديد يشترون الخبز بصمت يغادرون دون أن يرفعوا أعينهم وكأن الاعتذار يقف في حناجرهم عاجزا عن الخروج.
وكان جيمي أسعد الجميع.
فقد وجد رجلا يحضر في حياته كل يوم يعلمه ركوب الدراجة يشتري له لعبته المفضلة يمسح دموعه عند السقوط ويحتضنه كما لو أراد أن يعوض عشر سنوات ضائعة دفعة واحدة.
وفي ليلة من الليالي وبعد أن أغلقوا المخبز جلس أدريان وإلينا على مقعد خشبي أمامه.
لم يكن بينهما الكثير من الكلام لكن كان بينهما الكثير من الفهم فهم يقول إن القدر ربما لم يكن قاسيا بقدر ما ظنا.
قال لها بصوت منخفض
أريد فرصة ليس من أجل جيمي فقط بل من
أجلك. لم أتوقف عن التفكير بك يوما.
لم تجبه فورا.
نظرت إلى الشارع الخالي وإلى المصابيح التي تنثر ضوءا خافتا وإلى ابنها الذي ينام في الداخل ثم قالت
لقد تعبت كثيرا وخفت كثيرا. لكن لا أعلم لماذا أشعر بالراحة الآن.
ابتسم أدريان ابتسامة هادئة ثم وضع يده فوق يدها ببطء بلا ضغط كمن يلامس شيئا ثمينا يخشى أن ينكسر.
ولم تسحب يدها هذه المرة.
ومن تلك الليلة بدأت قصتهما من جديد.
هذه المرة بلا خوف كبير بلا أسرار بلا رحيل مفاجئ.
كانوا ثلاثة فقط ثلاثة.
لكنهم كانوا عائلة أقوى من قرية كاملة.
كانوا يجلسون معا كل مساء يشاهدون جيمي يرسم أحلامه بطائرة ورقية يضحكون ويرممون ما هدمته السنوات.
وكانت إلينا في كل مرة تنظر إليهما تقول في سرها
ربما هذا ما كنت أستحقه منذ البداية.
وتعلمت أن الحب لا يأتي دائما في موعده لكنه حين يعود يعود ومعه كل شيء جميل فقدته.
ولأول
مرة منذ عشر سنوات
نامت إلينا تلك الليلة دون بكاء.

تم نسخ الرابط