رجل ترك زوجته مع خمسة أطفال سود البشرة… وبعد ثلاثة عقود عاد ليواجه الصدمة

لمحة نيوز

رجل ترك زوجته مع خمسة أطفال سود البشرة وبعد ثلاثة عقود عاد ليواجه الصدمة
بعد أن ظهرت الحقيقة التي صدمت الجميع لم تكن تلك مجرد لحظة عابرة في حياة هذه الأم أو حياة أبنائها الخمسة.. بل كانت نقطة فاصلة كأن الزمن توقف عندها لحظة واحدة ثم عاد ليستأنف دورته بشكل مختلف أعدل أرق وأكثر رحمة. سنوات طويلة مرت عليهم كأن كل يوم فيها يضيف حجرا جديدا فوق صدورهم ورغم ذلك ظلوا يتحركون يكبرون يتعلمون فيما تحمل هي وحدها ذلك الحمل الثقيل بصبر لا يشبه صبر البشر ولا يشبه حتى صبر الأمهات اللواتي اعتدن التحمل.
كان المساء الذي عاد فيه الأبناء الخمسة إلى المنزل شبيها بمساء قديم سماء ملبدة بالغيوم نفسها التي غطت ليلة رحيل أبيهم قبل ثلاثين عاما. الجدران العتيقة للمنزل بدت وكأنها تحفظ في شقوقها كل بكاء خافت كل تنهيدة مرهقة وكل ليلة طويلة سهرت فيها الأم وحدها تمسح دموعها كي لا يراها أطفالها. وعندما عبر الأبناء العتبة حاملين الظرف الأبيض شعرت الأم بأن الأرض تميد تحت قدميها. كانت تعرف أن ما بداخل الظرف يحمل الحقيقة لكنها مثل قلب جرح حتى فقد القدرة على التحمل كانت تخاف أن يعاد فتح الجرح مرة أخرى.
رفعت رأسها نحوهم ببطء نظرتها تجمع

بين الرجاء والحذر وكأنها ترجو أبناءها أن يرفقوا بقلبها حتى ولو كانت الحقيقة مرة. ولما قال أكبرهم بصوت مختنق أمي كنت صادقة. كل شيء كان صحيحا. اهتز جسدها كأن ثلاثين عاما من الألم تكسرت دفعة واحدة. لم تقو ركبتيها على احتمال ثقل اللحظة فسقطت جاثية على الأرض. انهمرت دموعها بلا توقف دموع ثلاثة عقود كاملة. دموع صبر طويل ظنت أحيانا أنه بلا جدوى. دموع امرأة حملت جبالا على كتفيها ولم تسقط.
لم تكن تبكي لأنها تفاجأت بل لأنها أخيرا وجدت ما يثبت أنها لم تكن يوما مخطئة. وأن قلبها الذي اتهم بالضعف والتهور كان أصدق من كل أصابع الاتهام التي وجهت إليها. كانت تبكي لأن العالم الذي طعنها مرارا عاد اليوم ليقول لها كنت على حق.
التف الأبناء من حولها سريعا يلتقطون جسدها المنهك بين أذرعهم كما لو كانوا يحاولون أن يمحوا من ذاكرتهم كل ليلة شعرت فيها أنها وحيدة في هذا العالم. وفي وسط هذا العناق الذي اشتد حتى اختلطت الأنفاس أخذت الأم تستعيد ذكرياتها واحدة تلو الأخرى صوتها وهي تتحمل الإهانات في الشارع خطواتها المتعبة وهي تهرع من عمل لآخر لتضمن لهم لقمة دافئة وملامح الخوف التي كانت تراها في عيون أطفالها حين لم يفهموا سبب قسوة العالم
عليهم.
وتذكرت أيضا تلك الليلة البعيدة اللحظة التي صرخ فيها الرجل في وجهها ثم دار ظهره ورحل. لم تره آنذاك كرجل يهجر زوجته فقط بل كرجل تخلى عن أبنائه وتركهم يواجهون الحياة وحدهم. لكنها لم تدرك في حينها أن الزمن لا يمحو الجراح لكنه أحيانا يعود ليعتذر عنها بطريقة لا يتوقعها أحد.
في الخارج كانت البلدة الصغيرة تلتهم الخبر بسرعة مذهلة. نساء كن يتجنبن النظر في وجهها صار بعضهن يرسلن نظرات طويلة مرتبكة. رجال كانوا يغيرون الطريق إذا رأوها قادمة صاروا يقفون مترددين في منتصف الطريق. وشباب كانوا يهمسون ساخرين كلما مر أحد أبنائها باتوا اليوم يطأطئون رؤوسهم. الجميع وجد نفسه مكشوفا أمام الحقيقة. لم يبق لهم عذر ولا ادعاء ولا تبرير. بعضهم اختبأ خلف حجة سوء الفهم وبعضهم حاول فجأة التقرب وبعضهم اكتفى بالصمت صمت ثقيل يشبه الخزي.
لكن الأم لم تكن بحاجة إلى اعتذار أحد. لم تكن بحاجة لكلماتهم ولا لشفقتهم ولا لتبريرهم المتأخر. لأنها في تلك اللحظة أدركت شيئا عظيما لم تفكر فيه يوما 
أنها لم تكن يوما بحاجة لاعتراف الناس بل كانت بحاجة إلى هذا العناق الخماسي الذي يحيطها الآن.
كانت بحاجة إلى أبنائها إلى قلوبهم التي كبرت رغم
الجراح وإلى الحقيقة التي عادت إليهم مثل نور بعد ليل طويل.
كبر الأبناء وهم يحملون بداخلهم قوة لم يعرفوا مصدرها إلا في هذا اليوم. كل واحد منهم كان يجر خلفه حكاية حرب صغيرة خاضها يوميا ليثبت أنه يستحق مكانه تحت الشمس. المعماري الذي كان يرسم مبانيه بقلب الفنان ونفس المحارب ويردد في كل مقابلة أمي أول مهندسة في حياتي لأنها بنت حياتنا من الصفر. والمحامية التي كانت ترى في كل امرأة ضعيفة صورة أمها فتقاتل بكل ما فيها لتعيد العدالة لمن ظلم. والمغني الذي كان صوته يهز آلاف المستمعين لأنه يحمل صدقا لم يتعلمه في المعاهد بل تعلمه من أمه. والمستشار الذي وقف أمام شباب يائس ليخبرهم أن الفقر ليس النهاية وأن الألم ليس وصمة. والفنان الذي جعل وجه أمه أيقونة تتردد في كل معرض كأن العالم كله يرى من خلالها معنى الصمود.
أما الرجل الذي تركهم قبل ثلاثين عاما فقد وصلته الحقيقة كما تصل الريح الباردة إلى نافذة مغلقة. سمعها من بعيد ظن أول الأمر أن الأمر لا يعنيه ثم شعر شيئا فشيئا بأن قلبه يضيق كأنه يختنق بيد غير مرئية. لم يكن يدرك أن ما تركه خلفه لم يكن فضيحة كما كان يتخيل بل كان عائلة كاملة بيتا انهار فوق رؤوس خمسة أطفال وزوجة
صمدت فوق
تم نسخ الرابط