صرخة طفلتي كشفت سرًا دفنته عائلتي لسنوات… ولم يتوقع أحد نهايته

لمحة نيوز

 رأسها بين لحظة وأخرى لتسألني إن كان شكل قلبها يبدو جميلا أو إن كانت شمسها تشبه الشمس الحقيقية. وفي كل مرة كانت نظرتي إليها تمتزج بامتنان لم أعرفه من قبل امتنان لأننا أخيرا في مكان لنا مكان لا يشبه الظلال التي
عشنا فيها.
لكن هذا الهدوء لم يستمر طويلا.
فخلال تلك الأسابيع رن الهاتف مرات كثيرة. كالعادة كانت أمي.
في البداية كانت رسائل طويلة مملوءة بكلمات خافتة بعضها مرتبك بعضها دفاعي وكأنها تحاول إعادة صياغة الماضي وحدها. ثم بدأت تصل رسائل أقصر مختصرة متوترة تشبه من يطرق الباب مرارا دون أن يعرف ما إذا كان يريد الدخول أو الهرب. ثم تلتها مكالمات من كارولين بعضها مليء بالبكاء بعضها مليء بالصراخ ثم أخرى تحمل اعتذارا مشوشا.
ثم صمت كامل. صمت لا يحمل سلاما بل يحمل عجزا عن قول مزيد.
ولم أرد على شيء.
ليس تجاهلا بل حفاظا على الروح التي بالكاد بدأت تستعيد نفسها. هناك جروح لا يعالجها الكلام ولا يصلحها الاعتذار. هناك خيانات تترك خلفنا كما نترك بابا قديما صدئا لم يعد ينفتح.
وذات ظهيرة بينما

كانت الشمس تميل نحو الغروب وتغطي الحديقة بلون ذهبي يشبه الهدوء القديم كانت إيما تلعب في تلك الحديقة التي كانت يوما ملكا لجدتي. الحديقة التي شهدت خطوات طفولتي والتي أصبحت الآن أرضا جديدة لخطوات طفلة أخرى طفلة أردت لها سلاما لم أعرفه أنا.
ركضت إيما بين الشجيرات الصغيرة ضحكتها تتردد كأنها زينة معلقة في الهواء. ثم توقفت فجأة التفتت إلي بعينيها الواسعتين وقالت بصوت رقيق
ماما هل نحن بأمان الآن
تجمدت لحظة.
كان سؤالا أكبر من عمرها. أكبر من عالمها كله.
اقتربت منها وركعت على الأرض أمسكت وجهها بين كفي ونظرت في تلك العينين اللتين حملتا الخوف أكثر مما يجب لطفلة.
قلت بهدوء
نعم يا ملاكي نحن بخير. نحن بخير حقا.
لم تكن كلمات عابرة.
كانت وعدا.
وكانت حقيقة.
 ثم عادت إلى اللعب كأن سؤالها أزاح ثقلا عن صدرها الصغير. بقيت أراقبها أشعر أن الهواء حولنا صار أخف أن ظلال الماضي بدأت تتراجع شيئا فشيئا.
لكن الحقيقة التي أدركتها لاحقا كانت أكبر من كل تلك التفاصيل الصغيرة.
في تلك الليلة التي انكسر فيها الطبق
تلك اللحظة التي صمت فيها الجميع ووقفت أنا بين الخوف والصمت بينما كانت إيما ترتجف بجانبيهناك عند تلك اللحظة المؤلمة حدث شيء في داخلي.
شيء يشبه اليقظة.
شيء يشبه أن يكتشف الإنسان فجأة أن المكان الذي وضع فيه قسرا لسنوات طويلة ليس هو المكان الذي يستحقه. وأن الباب الذي كاد يغلق عليه حياته كلها كان بإمكانه أن يفتحه منذ زمن لولا أنهم أقنعوه بأنه لا يستطيع.
في تلك الليلة بينما كان الصمت يملأ الغرفة اكتشفت شيئا لم أعرفه سوى حين وجدت نفسي أقف وحدي.
اكتشفت أن مكاني الحقيقي
لم يكن الانحناء.
ولا التراجع.
ولا التماس رضا من لا يعرف معنى الحب.
مكاني كان شيئا آخر تماما.
شيئا ظل غائبا عني لسنوات وظهر فجأة في تلك اللحظة التي رفعت فيها رأسي ووقفت.
نعم
كان مكاني هو الوقوف.
الوقوف بثبات.
الوقوف بوعي.
الوقوف دون خوف.
الوقوف دون انتظار تصفيق أو قبول.
الوقوف لأن الروح التي تهان لا تصلح نفسها إلا إذا عادت ورفعت رأسها.
ومع مرور الأيام بدأت أرتب حياة جديدة حياة لا تقوم على تجميد الألم بل على رؤيته ثم تجاوزه.
صرت أكتب رسائل لنفسيرسائل لا يقرؤها أحدأخبر فيها تلك المرأة التي كنتها يوما أن الطريق كان قاسيا لكنه أوصلني إلى هنا حيث يمكنني أن أتنفس دون خوف وأحمل ابنتي دون أن أرتجف مما قد يفعله الآخرون.
وأصبحت حديقة جدتيالتي عادت إلي كما تعود الروح إلى جسدهامكانا يملأني بالسكينة. كنت أسير بين الشجر ألمس الأغصان وأشعر أن كل شيء يعود إلي ليس المال ولا البيت ولا الميراث بل الشيء الحقيقي الذي استحق أن أقاتل من أجله
كرامتي.
وفي إحدى الأمسيات بينما كانت إيما تجلس على العشب وتغني أغنية لا تفهم كلماتها أدركت شيئا لم أفهمه يوم غادرت ذلك المنزل
أنني لم أفز فقط بوصية جدتي
ولا بممتلكاتها
ولا باستعادتي لحقي المسلوب
بل فزت بشيء أعظم
بعائلتي الصغيرة التي اخترتها بيدي ولم يفرض علي أحد داخلها.
بالحب الذي نبنيه أنا وإيما كل يوم.
بالصوت الذي حاولوا إسكاته لكنه عاد أقوى مما كان.
رفعت رأسي نحو السماء شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي كأنها رسالة من جدتي تقول فيها
هذا مكانك يا كلير هذا مكانك أخيرا.
ابتسمت.
ثم أغمضت
عيني للحظة وتركت للهواء مهمة حمل كل ما تبقى من وجع بعيدا.

تم نسخ الرابط