أهانها أمام الجميع… وفي المستشفى سمع منها كلمة واحدة جعلته ينهار تماما
المحتويات
"أنا… أمك يا بني."
وفي تلك اللحظة… توقّف الزمن.
تجمّد إيثان في مكانه حين سمع الكلمة التي حطّمت ما بناه داخله من جدران خلال سنوات. شعر وكأن أحدهم سحب الهواء من صدره دفعة واحدة، فلم يعد قادرًا على التنفس ولا التفكير. شيء ما في داخله كان يصرخ، يرفض، يشكّ، بينما شيء آخر — أعمق وأصدق — كان يعرف الحقيقة قبل أن تقال.
نظر إلى المرأة على السرير، إلى وجهها الشاحب الذي رسم الزمن فوقه خطوطًا قاسية، لكن ملامحها رغم الوهن لم تكن غريبة عنه. كان يعرف تلك العيون… تلك النظرة… لكنه نسيها منذ أن كان طفلًا صغيرًا.
مدّت مارغريت يدها المرتعشة، محاولة لمس خدّه:
"كبرت يا بني… صرت رجلاً له حضور، له هيبة… وإني أرى فيك شيئًا يشبهني، وشيئًا يشبه أباك."
تقلّبت مشاعر إيثان بين الغضب والصدمة والحنين. أغمض عينيه بقوة، وعاد بعقله إلى طفولته القاسية… إلى الليالي التي بكى فيها وحده… إلى الجوع، والرعب، والبرد، وإلى الصوت الجارح الذي كان يسأله دائمًا: «أين ذهبت أمك؟ ولماذا تركتك؟»
فتح عينيه ونظر إليها، وقال بصوت مختنق:
"بحثتُ عنك سنوات… كنتُ أظن أنكِ متِّ. كنت أكرهك… وأكره ذلك البيت الذي طُردتِ منه."
ارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة:
"لم أتركك يا إيثان… كنتُ أهرب بك، لا منك."
قال بصوت مرتجف، مشحون بالأسى:
"لم أفهم… لماذا؟ لماذا هربتِ؟ لماذا تركتيني مع رجلٍ لم يعرف الرحمة؟"
تنهدت بعمق، وكأن روحها كلها خرجت مع ذلك النفس:
"
بدت كلماتها كالسكاكين، لكنها كانت تنحت الحقيقة التي لم يعرفها يومًا. أغمض عينيه وهو يسمعها تتابع:
"في تلك الليلة، هربتُ لأحميك… وعدتُ مرارًا من بعيد، أراقبك من خلف السياج. كنت ترى امرأة تمر قرب البيت ولا تهتم، لكني كنت أمك… أخاف الاقتراب. أخاف أن يفتك بك إن رآني."
سال الدمع على خدّه دون أن يحاول إخفاءه. كان صوته يتهشم:
"لماذا لم تأتي إليّ؟ لمَ لم تُخبِريني؟ لقد… احتجتُك."
وضعت يدها فوق يده، وقالت بصوت خافت يملأه الضعف:
"أنا هنا الآن… ولو لساعة… ولو للحظة. وأرجوك يا بني… سامح أمًّا أرهقتها الحياة."
ارتعش جسده من شدّة الألم الداخلي. اقترب منها أكثر، وأمسك يدها بقوة كأنها خيط أخير يمسكه قبل أن ينكسر العالم من حوله.
"أنا آسف يا أمي… قسوت عليكِ يوم رأيتكِ… لم أعرفك… قلت كلامًا لا يُقال."
هزّت رأسها بلطف، وقالت بابتسامة صغيرة:
"لا شيء يؤلم الأم من ابنها. لكن حبها… أقوى من كل شيء."
غير أن جسدها الهزيل لم يعد يحتمل البقاء طويلًا. بدأت أنفاسها تتباطأ، وارتفع صدرها وانخفض بجهد. شعر إيثان برعبٍ لم يشعر به حتى حين كاد يفقد شركته في أكبر أزماته الاقتصادية.
همست:
"أريدك… أن تعيش بقلبٍ
ازدادت رعشة صوتها، وتلاشت قوتها شيئًا فشيئًا، ثم أغمضت عينيها ببطء… كأنها تستسلم لراحة كانت تفتقدها منذ سنين.
وتوقّف كل شيء.
ارتفع صوت الجهاز معلنًا النهاية.
صرخ إيثان:
"ماما! لا… لا تذهبي! أرجوكِ!"
مدّ يده يهزّها برفقٍ يائس، لكن جسدها كان ساكنًا، هادئًا، كأن رحلتها الطويلة وجدت أخيرًا مكانًا لتضع رأسها.
جاء الأطباء، لكنهم لم يقولوا شيئًا جديدًا. تركوه واقفًا بجانبها، منهارًا، عاجزًا عن تصديق أن اللقاء الذي انتظره دون أن يعرف… انتهى بهذه السرعة.
في الأيام التالية، بدا العالم كلّه بلا لون. أشرف بنفسه على ترتيبات دفنها. لم يكن حوله أحد من أقاربها، ولا أي شخص من الماضي. اقتصرت الجنازة على بعض نساء الملجأ، ورجل عجوز كان يوزع الطعام في السوق، وكاهن مسنّ جاء يقرأ كلمات الوداع.
وحين وارى التراب جسدها، وقف طويلًا أمام القبر، لا يتحرك.
كان يشعر كأنه يدفن جزءًا من نفسه… الجزء الذي لم يُعد له يومًا، والذي عاد فقط لكي يرحل.
لم يفكر في شركته، ولا في عقوده، ولا في أرباحه.
كل ما فكّر فيه… هو امرأة عاشت عمرًا كاملًا تبحث عنه، وهو يهرب بعيدًا دون أن يدري.
عاد إلى السوق الشعبي — المكان الذي التقى فيه بأمه بعد أكثر من عقدين. وقف عند نفس الزاوية، ينظر إلى الممر حيث رأى وجهها أول مرة. كان الناس يلتفتون إليه بدهشة: مليونير بملابس
لكنه لم يهتم.
جلس على مقعد خشبي متهالك، يستمع إلى أحاديث التجار، يراقب النساء اللواتي يحملن أطفالهن بحثًا عن قوت يوم، ويرى في عيون بعض المشرّدين ذات الخوف الذي عاشته أمه.
شيء داخله كان ينكسر… ثم يُعاد تشكيله.
ومع مرور الأيام، بدأ يفعل ما لم يكن يتصور يومًا أنه سيفعله:
– كان يدفع إيجار المحال الصغيرة لمن عجزوا.
– يشتري الطعام ويوزّعه بيديه.
– يزور ملاجئ النساء سرًا، يتحدث إليهن عن أمه، عن حياتها، عن الألم الذي لم يعرفه إلا الآن.
كان يحاول أن يصبح… ابنًا يستحق أمّه.
بعد أسابيع قليلة من زياراته المتكررة للملاجئ والسوق والمناطق الفقيرة، بدأ اسم إيثان يُذكَر في أماكن لم يكن يتخيّل يومًا أن يُسمَع فيها. لم يُعرف حينها كرجل أعمال ناجح أو مليونير صاعد، بل كرجل يجلس بجوار المتسوّلين، ويستمع للفقراء وكأنهم يحملون كنوزًا ثمينة بين كلماتهم. كان يمشي بينهم بتواضعٍ لم يره أحد فيه من قبل. ولم يكن ذلك محاولة لمحو الماضي فحسب… بل كان طريقة لزرع جذور جديدة لنفسه.
وذات يوم، وقف على المنصة في مؤتمر ضخم نظّمته شركته، لكنه لم يتحدث عن الأرباح والمشاريع كالعادة. بل وقف للحظات طويلة في صمت، كأنّه يتذكّر وجهًا يحرس قلبه من الانهيار.
ثم قال بصوت عميق:
"حان الوقت لعملٍ لا تفرضه صفقات ولا تُمليه أرقام. حان الوقت لردّ جميلٍ تأخّر كثيرًا."
وأعلن
"تأسيس مؤسسة مارغريت للأمل."
متابعة القراءة