في يوم زفافي… مزّقت حماتي باروكتي أمام الجميع، لكنها لم تتوقع النهاية

لمحة نيوز

يشبه ولادة جديدة ضوءا يتسلل إلى داخلي بعد ظلام طويل. رفعت رأسي ومسحت دموعي بظهر كفي وأخذت خطوة صغيرة إلى الأمام خطوة شعرت معها أنني أستعيد روحي التي كنت أظن أني فقدتها.
وهناك وسط دائرة الضوء وقفت.
كان رأسي يلمع تحت الإضاءة لكنه لم يعد يفضح ضعفي كما ظننت دائما.
صار يشبه التاج تاجا منحني إياه الألم وصقلته الحقيقة.
ثم سمعت التصفيق.
لم يكن تصفيق شفقة ولا محاولة لرفع معنوياتي كان تصفيق قوة تصفيق تضامن تصفيق نساء ورجال شعروا أن اللحظة لم تعد تخصني وحدي بل تخص كل شخص عرف ماذا يعني أن تكسر روحه بسبب نظرة أو كلمة أو حكم قاس.
اقترب دانيال مني مجددا. أمسك بيدي بثبات قادني نحو منتصف الساحة ووضع يده على ظهري بخفة محبة. بدأت الموسيقى تعود ببطء لحن هادئ يشبه الاعتذار عن قسوته السابقة حين صمت فجأة.
رقصنا.
رقصنا ببطء شديد كأن الزمن توقف من أجلنا فقط.
اقترب من أذني وهمس
أقسم أنك هكذا أجمل.
أجمل لأنك صادقة.
أجمل لأنك بلا خوف بلا أقنعة بلا خجل.
ومع كل خطوة كنت أشعر أن الجرح العميق الذي حملته لسنوات يبدأ يلتئم وكأن كل ثانية من هذه الرقصة تمحو من قلبي عمرا من الألم.
أما ليندا
فكانت في زاوية القاعة ترتجف.
كانت تراقب كل شيء النساء اللواتي كشفن رؤوسهن تضامنا دانيال الذي وقف أمامها لأول مرة والابنة التي لم تحصل عليها يوما لكن القدر وضعها أمامها كي تتعلم منها.
كانت ترى كل شيء وكانت الحقيقة تحاصرها من كل اتجاه.
رأيتها تغمض عينيها كأنها تحاول الهرب لكن الهرب
لم يعد ممكنا.
لم تعد القوة التي ادعتها طوال حياتها تصلح غطاء.
كانت وحدها وعارية أمام أخطائها.
بعد لحظات طويلة اقتربت بخطوات خجولة لم أعرفها منها من قبل. كانت تنظر إلى الأرض كأن الظلال أثقل من أن تتحملها عيناها.
قالت بصوت خافت
إميلي أنا لم أقصد أن أجرحك بهذا الشكل. كنت أظن أنني أحمي ابني لكنني أدرك الآن أنني كنت أحمي نفسي. أحمي صورتي خوفي ضعفي.
كانت كلماتها اعترافا لم تتوقعه هي نفسها.
كانت كلمات ليندا تتساقط ببطء كأن كل كلمة تحتاج إلى شجاعة لم تمارسها يوما. رأيت في اهتزاز صوتها شيئا لم أعهده منها من قبل رأيت امرأة تجرد من قناع صلب ارتدته لسنوات طويلة كي تخفي هشاشتها. لم تتجرأ على رفع رأسها وكأن الاعتذار نفسه أكبر مما تستطيع احتماله.
وقفت لحظة أنظر إليها.
لم أشعر بانتصار ولا رغبة في الرد بقسوة.
كان قلبيرغم كل ما حدثهادئا بشكل غريب كأنني وصلت أخيرا إلى أرض لم تصلها القدم من قبل.
قلت لها بصوت منخفض لكن ثابت
أحيانا الأذى لا يأتي من الكراهية. بل يأتي من الخوف. الخوف من الصورة من المجتمع من فقدان السيطرة. لكن هذا لا يمنع أنه أذى.
لم ترد.
كانت دموعها المتجمعة عند أطراف عينيها كافية لتقول كل شيء.
مرت أسابيع بعد الزفاف لكن الحدث لم ينس.
بل انتشر.
انتشر أكثر مما توقعت أو حلمت أو تمنيت.
الفيديو الذي صور صدفة من أحد الحضور انتشر كالنار في الهشيم.
شاهده الملايين حول العالم.
تداولته صفحات أجنبية وعربية كبيرة.
ظهر تحت عناوين مثل
عروس تهان في
يوم زفافها فتحول الإهانة إلى لحظة قوة عالمية.
شجاعة النساء تهز قاعة كاملة.
لحظة تسقط فيها الأقنعة وتولد فيها الحقيقة.
كانت تصلني رسائل من نساء لم أعرفهن يوما
أخيرا نزعت الباروكة.
بكيت وأنا أرى الفيديو لأنني شعرت أنني لست وحدي.
شكرا لأنك جعلتني أرى نفسي من جديد.
كنت أبكي وأنا أقرأها.
لم أعرف أن لحظة ألم واحدةلحظة خجل ظننت أنها ستقتلنيتحولت إلى شرارة أمل لآلاف النساء حول العالم.
لأول مرة أدركت أن الجرح حين يكشف لا يفضحك.
بل يحررك.
أما ليندا فقد تغيرت.
لم يحدث ذلك في يوم واحد ولم يكن سهلا عليها.
لكنه حدث.
اتصلت بي ذات مساء وصوتها يشبه شخصا خرج للتو من معركة مع نفسه.
قالت لي
إميلي جعلتني أرى نفسي. أرى ضعفي أرى قسوتي وأرى الخوف الذي كان يقودني طوال عمري. أريد أن أحاول أريد أن أكون أفضل.
كانت تلك الجملة بداية شيء جديد.
شيء لم أتوقعه.
سامحتها.
سامحتها ليس لأنها تستحق بالضرورة بل لأن قلبي يستحق أن لا يحمل وزن الكراهية.
الكراهية ثقيلة أثقل من الألم نفسه.
بعد أشهر قليلة أسست مجموعة إلكترونية لدعم النساء اللواتي فقدن شعرهنبسبب مرض أو وراثة أو ضغوط نفسية.
كانت مجموعة صغيرة في البداية ثم صارت غرفة مكتظة بالضحك أحيانا وبالبكاء الصادق أحيانا أخرى وبالشفاء دائما.
صرنا نتشارك قصصا صورا نصائح لحظات ضعف ولحظات قوة.
بعض النساء كن يدخلن خجولات يخفين رؤوسهن بقبعات أو أوشحة ثم بعد أسابيع أصبحن يضحكن بشعرهن كما هو أو بلا شعر.
كنا نتغير ونغير.
والمفاجأة
أن
ليندا نفسها قررت الانضمام.
لم تعد تلك المرأة التي كانت تخشى نظرة المجتمع وتختبئ خلف صورة مثالية.
صارت امرأة أخرى امرأة تتعلم تخطئ تعتذر وتبدأ من جديد.
وفي أحد اللقاءات الخيرية
حلقت شعرها بالكامل أمام الجميع.
كانت لحظة صامتة.
لم تبك في البداية ثم حين سقطت آخر خصلة اهتز ذقنها وانهارت دموعها.
اقتربت منها احتضنتها.
وبكيت معها.
لأنني رأيت امرأة أخرى تولد.
رأيت ليندا الحقيقية لا ليندا التي صنعتها الأعراف.
اليوم حين أنظر إلى صور زفافي تلك الصور التي يظهر فيها رأسي العاري تحت الضوء
لم أعد أرى عيبا.
أرى قوة.
أرى امرأة خاضت معركة صامتة وخرجت منها أقوى مما كانت تتخيل.
أرى تاجا لم أكن أعلم أنني أستحقه.
ولك أنت
إن كنت يوما قد مررت بإذلال أو كلمة قاسية أو نظرة جعلتك تشك في نفسك
فلا تسمح لتلك اللحظات أن تحددك.
الإنسان لا تحدده خصلات شعره ولا ملامحه ولا ما يراه الناس على السطح.
الإنسان تحدده الشجاعة التي يحملها في قلبه
الرحمة التي يزرعها
والصدق الذي يشع من روحه حين يواجه العالم بلا أقنعة.
وإن وجدت نفسك يوما مكشوفا أمام حكم أو سخرية أو قسوة
فلا تنحن.
لا تطفئ نورك.
ولا تخجل.
فالضوء الذي بداخلك أقوى من كل ظلام يحاول الآخرون زرعه حولك.
ولو كنت أنت هناك في ذلك اليوم
أو كنت أنت بين الحضور تشهدين لحظتي الأصعب
فهل كنتم ستقفون إلى جانبي
هل كنتم ستختارون اللطف بدل الحكم
والتعاطف بدل السخرية
والدعم بدل الصمت
إن كنت تؤمن أن اللطف ينتصر في النهاية
وأن الإنسان
أجمل حين يكون صادقا
وأقوى حين يكون رحيما
وأعظم حين يقف مع المظلوم بدل أن يقف مع الظالم.
فاكتب نعم.

تم نسخ الرابط