الولد الفقير الذي أعاد المليونيرة إلى الحياه

لمحة نيوز

يهتز في صدرها 
قالت بنبرة حاولت أن تجعلها خفيفة لكنها خرجت متكسرة 
سأفشل 
لكن صوته جاء ثابتا مطمئنا كأنه حجر موضوع في ماء مضطرب 
حتى لو فشلنا سنحاول من جديد الفشل ليس نهاية إنه فقط رسالة تقول لنا غيروا الخطة 
مد يده نحوها 
نظرت إلى تلك اليد الصغيرة النحيفة وترددت 
ترددت لأن الأمل أخافها أكثر مما يخيفها السقوط 
لكنها في النهاية مدت يدها وتركت أصابعها تتشابك بأصابعه وكأن العالم كله انكمش ليتسع داخل تلك القبضة الصغيرة 
سحبها برفق 
خطوة ثم نصف خطوة ثم خطوة أخرى 
الأرض تميل تحتها الركبتان ترتعشان الدم يندفع في أوردة قدميها بقوة لم تعهدها منذ سنوات طويلة 
قلبها يدق بعنف ليس خوفا من السقوط فقط بل خوفا من المعجزة 
ثم
رفعت قدمها عن الأرض 
لحظة واحدة للآخرين لكنها بالنسبة لها كانت أطول من خمسة أعوام من الانكسار 
صرخة خرجت منها دون إذن صرخة يتداخل فيها الخوف والدهشة والنجاة 
ثم رفعت القدم الثانية 
وقفت 
وقفت حقا 
من دون كرسي 
من دون عجلات 
من دون قطعة حديد تستند إليها 
كانت تبكي وهو يضحك 
كانت ترتجف وهو يشد على يدها أكثر 
قالت وسط شهقاتها التي تهبط وتصعد 
أنت أنت من أعاد لي الحياة 
هز رأسه رافضا بابتسامة ليست لطفل بل لرجل صغير مر بما يكفي ليعرف قيمة النهوض 
لا أنت التي وجدتها أنا فقط كنت دليلا صغيرا في الطريق 
سارت خطوة ثم ثانية ثم ثالثة 
كل خطوة كانت كأن ضوءا يشق جدار غرفة مظلمة ظلت مغلقة طويلا 
ثم توقفت فجأة وبدون وعي منها انحنت عليه
احتضنته كما لو كانت تخشى أن يتلاشى
إن تركته 
لم يعرف ماركوس كيف يرد 
لم يحتضن هكذا من قبل 
تردد ارتجفت يده قليلا ثم رفع ذراعيه في النهاية ببطء وحياء
قالت وهي تبكي على كتفه النحيل 
لن أسمح أن تضيع هذا وعد 
لم يفهم تماما عمق هذه الجملة ولا ما الذي يمكن أن تفعله امرأة مثلها عندما تقرر أن تفعل شيئا 
لكنه شعر بأن شيئا في داخله تغير إلى الأبد 
في اليوم التالي لم يعد اللقاء مجرد جلسة تمرين في شقتها العالية 
استدعته إلى مكتب زجاجي في إحدى ناطحات السحاب التي كانت تملكها شركتها سابقا 
وقفت أمامه تستند إلى عصا طبية أنيقة وقدماها ثابتتان كأنهما ولدتا من جديد 
قالت وهي تفتح باب غرفة واسعة 
من اليوم هذه غرفتك 
اتسعت عيناه بدهشة لا تخطئها العين 
الغرفة لم تكن كبيرة لكنها بالنسبة له كانت حلما مستحيلا 
مرآة ضخمة سجادة تدريب أدوات تمارين مختلفة كتب متراصة عن إعادة التأهيل وعلم الحركة وفي الزاوية مكتب صغير عليه لوحة معدنية أنيقة ماركوس كارتر
نظر إليها غير مصدق 
هذا هذا لي
أومأت بثبات 
لك وبداية لا نهاية 
سجلته في برنامج مسائي لدراسة أساسيات العلاج الطبيعي 
كلمت مديرة المدرسة لتمنحه دعما إضافيا في المواد العلمية 
أحضرت له مدرسا يزوره مرتين في الأسبوع وفتحت له باب مكتبة خاصة تحتوي آلاف الكتب 
ثم جلست أمامه وقالت بجملة لم تنسها الأيام 
إذا كانوا قالوا لك إن الفقير لا يصبح شيئا فأنا أقول لك ستصبح كل شيء 
ومضت السنوات
وتحققت كلماتها كما لم تتوقع هي نفسها 
لم يعد ماركوس ذلك الفتى الذي يحمل دفترا قديما ويهرب من ضربات أبيه 
صار اسما يذكر بين الناس 
في
البداية في حي صغير ثم في عدة أحياء ثم في المدينة بأكملها 
كان المرضى يأتون إليه من كل مكان 
أطفال يعانون من صعوبة المشي كبار في السن يبحثون عن أمل أشخاص فقدوا الثقة في أجسادهم 
وكان يقول لجمعهم 
ما عندنا سحر عندنا أمل وشغل 
وإذا لم يستطع أحدهم الدفع
كان يبتسم ويقول 
ادع لي هذا يكفيني 
كارولاين تغيرت أيضا 
لم تعد تلك المرأة التي تخاف من العالم 
فتحت شقتها لوالدته ذات يوم حين علمت أنها تعمل ساعات طويلة في التنظيف 
جاءت المرأة خجولة بيديها المتشققتين وملابسها البسيطة 
وحين سمعت كارولاين صوتها المرتبك قالت لها 
ابنك أنقذ حياتي 
ردت الأم ودموعها تنزلق بصمت 
وهو يقول إنك أنقذتيه 
ومن يومها لم يعد الاثنان مجرد امرأة غنية وفتى فقير 
صارا عائلة عائلة خلقت بالاختيار لا بالدم 
في إحدى الأمسيات الدافئة وبعد سنوات طويلة من تلك اللحظة التي جمعتهما أول مرة أمام باب المقهى الصغير في الحي القديم كانت كارولاين تمشي بخطوات واثقة داخل القاعة الرئيسية لمركز إعادة التأهيل الذي أسسته مع ماركوس 
القاعة كانت واسعة ممتلئة بالضوء كأنها ولدت لتشهد انتصارات جديدة لقلوب لم تستسلم قط وعلى الجدار الأمامي ارتفعت صورة ضخمة تجمعهما هي واقفة تحمل عصا أنيقة مرفوعة الرأس بعزيمة لا تهزم وهو يقف إلى جانبها مرتديا معطفا طبيا بسيطا عيناه تحملان نفس الابتسامة التي ظهرت يوم تغير كل شيء تلك الابتسامة التي تشبه وعدا خفيا بأن الهزيمة ليست قدرا وأن الوقوف بعد السقوط ممكن ولو بعد حين 
وبينما كانت تتفقد المكان اقتربت امرأة تدفع أمامها كرسيا متحركا تجلس عليه طفلة
لا تتجاوز الثامنة 
كانت الصغيرة تضغط بيديها على أطراف المقعد جسدها يرتجف كمن يخشى الهواء نفسه لم ترفع نظرها عن الأرض وكأنها تخشى أن يرى أحد خوفها 
قالت الأم بصوت متهدج يحمل كل ما مرت به من ليال بلا نوم 
قالوا لي أنتما آخر أمل لنا 
لم تجب كارولاين مباشرة جلست على ركبتيها أمام الطفلة حتى صارت في مستوى عينيها ثم رفعت وجه الصغيرة بخفة دون أن تجبرها على النظر إليها بل كأنها تمنحها فرصة لتتنفس 
قالت بصوت واضح صادق يهز القلب دون أن يصرخ 
كنت يوما ما حيث أنت الآن كنت خائفة ضائعة وجسدي يرفض أن يطاوعني ولم يكن هناك سوى شخص واحد شخص واحد فقط صدق أنني أستطيع الوقوف من جديد واليوم نحن الاثنان سنصدق أنك تستطيعين 
رفعت رأسها نحو ماركوس الذي كان واقفا عند مدخل القاعة يراقب المشهد بصمت يشبه فخر الأب بابنته 
ابتسم 
تقدم بخطوات هادئة 
ثم ركع أمام الطفلة هو الآخر ومد يده الصغيرة كأنها دعوة وليست أمرا 
قال بلطف ممزوج بروح عنيدة لم تتغير منذ يوم عرفته 
أنا ماركوس 
وبصراحة
أنا أعشق المستحيل لأنه وحده يكشف لنا كم نحن أقوياء وكم يمكن للحياة أن تنحني إذا وقفنا أمامها بعناد 
كانت الطفلة تنظر إليهما بتردد ثم ببطء شديد مدت يدها مجرد لمس خفيف لكنه كان بالنسبة للأم بداية معجزة 
ولو سأل أحد كارولاين اليوم 
كيف مشيت من جديد من أعادك إلى الحياة من أعادك إلى العالم بعد أن فقدت كل شيء
فهي لن تقول 
الأطباء 
ولا الأجهزة 
ولا حتى المال 
ستتنفس بعمق تبتسم ثم تجيب بجملة واحدة تختصر عشرات الفصول والسقطات والمحاولات 
كان مجرد ولد فقير آمن بي يوم
لم أملك الشجاعة لأؤمن بنفسي ولولا تلك اليد لما وقفت ولما نهضت ولما أصبحت كل ما أنا عليه اليوم

تم نسخ الرابط