اليوم الذي باعوني فيه… واليوم الذي عادوا يبحثون عني

لمحة نيوز

كانت أصابعي ترتجف وأنا أمسك تلك الورقة الصغيرة.
كورقتها عادية خفيفة لكنها في يدي كانت أثقل من كل الشهور التي عشتها وحدي.
لم يكن ما كتب فيها هو ما هزني أولا بل الخط.
هذا الخط
الطريقة التي يميل فيها حرف الر والنقطة الصغيرة فوق الج ذلك الانحناء الخفيف في حرف الن في آخر اسمي
كل هذا لم يكن غريبا علي.
كان جزءا من ذاكرتي.
من ثلاث سنوات من الرسائل والاعتذارات والمفاجآت الصغيرة.
ابتلعت ريقي بصعوبة رفعت الورقة نحو الضوء وقرأتها أخيرا.
سامحيني بس ما قدرت أتأخر أكثر.
كانت الجملة قصيرة جدا مقارنة بكل ما حدث.
قصيرة أمام خمس سنوات من الحب والخوف والوحدة.
قصيرة أمام خمسة ملايين روبية وثمن اختفائي.
قصيرة أمام طفل صغير في الحاضنة ينتظر أن يعرف من يكون أبوه.
ومع ذلك شعرت بأنها أثقل من أي خطاب طويل.
رفعت عيني ببطء الممرضة كانت لا تزال واقفة عند طرف السرير تراقبني بنظرة فيها مزيج من الفضول والشفقة كأنها تتابع مسلسلا عاطفيا لم تكن تتوقع أن تكون جزءا من أحد مشاهده.
سألتها بصوت مبحوح
مين اللي جاب الظرف
ترددت للحظة ثم قالت
القانون ما يسمح لنا نقول اسم اللي دفع الفاتورة بس
وتوقفت ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة كأنها لا تقاوم ما تعرفه
بس هو لسا واقف بره ما

تحرك من مكانه منذ ساعة.
سكت.
حتى دقات قلبي شعرت أنها توقفت لجزء من الثانية.
هو
لم أستطع أن أنطق اسمه.
كأن اسمه صار ثقيلا على لساني بعد شهور من محاولة نسيانه.
لم تجب الممرضة بكلمات بل بنظرة.
نظرة تقول أنت تعرفين من أقصد.
في تلك اللحظة سمعنا طرقا خفيفا على الباب.
طرق لم يكن عنيفا ولا مترددا كان مثل صاحبه تماما بين الخوف والرجاء.
لم أستطع أن أقول ادخل ولا لا.
شفتاي كانتا ترتعشان ودموعي كانت تسبق أي قرار.
الممرضة استأذنت وفتحت الباب ببطء.
كان واقفا هناك.
أرجون.
رأيته أولا من عينيه.
كل شيء آخر تغير شعره لحيته ملامحه المتعبة لكن عينيه هما نفس العينين اللتين كانتا تضحكان في وجهي وأنا أشرب الشاي على عتبة بيتنا في كانبور.
نفس العينين اللتين كانتا تتشاجر معي ثم تستسلمان أولا.
نفس العينين اللتين وعدتاني قبل ثلاث سنوات مهما صار ما راح أتركك.
ها هو الآن بعد أشهر طويلة من الغياب واقف على باب غرفة المستشفى وأنا على سرير الولادة وطفلنا في الحاضنة ينتظر من يعطيه اسمه.
لم يتحرك في البداية.
وكأنه هو أيضا لم يكن مستعدا لهذه المواجهة.
نطق باسمي أخيرا
أنجالي
الكلمة وحدها كانت كافية لتفك عقدة في صدري ظلت مشدودة لشهور.
حاولت أن أمنع دموعي أن أبدو
قوية أن أواجهه ببرود كما فعلت أمه معي
لكن قلبي رفض.
فاض كل شيء مرة واحدة وبكيت.
لم أبك بصوت عال بل بكاء مخنوق حاولت أن أغطي وجهي بكفي لكن كتفي كان يهتز وصوت شهقاتي كان أوضح من أي شيء.
دخل بهدوء أغلق الباب خلفه اقترب خطوة ثم توقف كأنه يسأل بعينيه
أقدر أقترب أكثر
الممرضة فهمت دون كلام انسحبت بهدوء وتركتنا.
اقترب وجلس على طرف الكرسي القريب من السرير مجرد وجوده في الغرفة أشعرني أن الهواء صار أثقل وأخف في الوقت نفسه.
مرت ثوان لم نتكلم فيها.
هو كان يراقب وجهي كمن يحاول أن يتأكد أنني لست مجرد حلم سيتبخر وأنا كنت أراقب تفاصيله كما لو أنني أراها لأول مرة.
أخيرا قال بصوت مبحوح
دورت عليك بكل مكان يا أنجالي كل مكان.
لم أرد فورا كنت أحاول أن أستوعب كلماته.
كل مكان بالنسبة له كيف كان
هل عرف أنها أعطتني المال
هل ظن أنني خنته
هل ظن أنني بعت حبنا بثمن
آلاف الأسئلة كانت تحوم في رأسي.
سألته بمرارة خرجت رغما عني
وين كنت تدور وأمك كانت تحسب الفلوس اللي دفعتها عشان أختفي
انخفضت عيناه فورا كأن كلماتي صفعة لم يستطع صدها.
أغمض عينيه لثوان ثم قال بصدق واضح
ما كنت أعرف ما قالت لي إلا بعد ما اختفيتي. قالت لي إنك تركتيني عشان الفلوس. وأنا صدقتها يومين
ثلاثة بعدين حسيت إن شي غلط. أنجالي اللي أعرفها ما تبيع حبها حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدها.
كانت دموعي لا تزال تنزل.
وأنا كنت حامل وخفت. خفت منك من أمك من كلامها من نظرتها. قالت إن ما راح تسمح للطفل يولد. قالت لي أروح قبل ما هي تتصرف. وأنا صدقتها. صدقت إن أبتعد أهون.
فتح عينيه بسرعة نظر إلي كأن الأرض اهتزت تحته.
كنت حامل من متى
ضحكت ضحكة قصيرة مرة بين البكاء والسخرية
من قبل ما تجي وتقول لي أمك إني ما أستحقك. من قبل ما تحط خمسة ملايين روبية على طاولتي كأنها تدفع فاتورة خطأ.
لم أعهده منه من قبل.
كان لازم أعرف كان لازم تقولين لي. حتى لو سكرت أمي الأبواب كلها كان لازم نكسرها سوا.
سحبت يدي للحظة ليس رفضا بل ألما.
قلت لنفسي أنت ابنها تربيت عندها علمتك إن العالم ينقسم لطبقات وإن في ناس أقل منكم. قلت لو عرف بالحمل يمكن يختارها هي ويقول لي نفس جملتها.
هز رأسه بقوة كأن الفكرة وحدها تؤذيه.
لا تقارنيني فيها. أنا يمكن ضعفت يمكن تأخرت يمكن سمحت لها تدخل بيننا لكن حبي لك ما كان أبدا بنفس مقاييسها.
ثم حمل الورقة الصغيرة من فوق الطاولة نظر إلى خطه عليها ثم رفعها نحوي
أنا كتبت هذه الورقة وأنا واقف برا الباب ما قدرت أدخل مباشرة. كنت خايف خايف من
عيونك من اللوم في داخلها وخايف أكثر من إنك ما تبغين تشوفيني.
سألته بصوت مكسور
وكيف
 

تم نسخ الرابط